وهي الآية 141 ، نزلت في ثابت بن قيس شماس الأنصاري . . وقال ابن جريج والماوردي : نزلت في معاذ ابن جبل .
والرواية عن الآية الأولى محتملة ؛ بسبب أن فيها ذكرا للكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس ، ومواجهة لليهود في قوله تعالى :
« تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها »
. . وإن كان هناك روايات أخرى عن مجاهد ، وعن ابن عباس أن الذين قالوا : ما أنزل اللّه على بشر من شيء هم مشركو مكة وأن الآية مكية . وهناك قراءة :
« قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرا » . . .
فهي على هذه القراءة خبر عن اليهود وليست خطابا لهم . وسياق الآية كله عن المشركين . وقد رجح ابن جرير هذه الرواية واستحسن هذه القراءة . . وعلى هذا تكون الآية مكية . .
وأما الآية الثانية فالسياق لا يحتمل أن تكون مدنية . لأن السياق بدونها ينقطع ما قبلها فيه عما بعدها في المعنى وفي العبارة . والحديث متصل عن إنشاء اللّه للجنات المعروشات ، وعن جعله حمولة وفرشا من الأنعام في الآية التي تليها :
« وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ، وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ »
. .
ثم يمضي السياق في تكملة الحديث عن الأنعام ، الذي كان قد بدأه قبل آية الثمار . . يجمعها كلها موضوع واحد ، هو الذي تحدثنا عنه في الفقرة السابقة الخاصة بقضية التحريم والتحليل والنذور .
وإنما الذي جعل بعضهم يعتبرها مدنية هو ما جاء فيها من قوله تعالى :
« كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ »
. . واعتبارهم هذا الأمر يعني الزكاة . والزكاة لم تتقرر بأنصبتها المحددة في الزروع والثمار إلا في المدينة . . ولكن هذا المعنى ليس متعينا في الآية . إذ أن هناك أقوالا مأثورة في تفسيرها بأنها تعني الصدقات ، أو بأنها تعني الإطعام منها لمن يمر بهم يوم الحصاد أو جني الثمار ؛ أو لقرابتهم . . وأن الزكاة حددت فيما بعد بالعشر ونصف العشر . . وعلى هذا تكون الآية مكية .
وقال الثعلبي : سورة الأنعام مكية إلا ست آيات نزلت بالمدينة :
« وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ »
. . إلى آخر ثلاث آيات . و
« قُلْ : تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ »
. . إلى آخر ثلاث آيات . .
والآيات الأولى بينا مكيتها ، إذ ينطبق على الآيتين الثانية والثالثة من هذه المجموعة ما ينطبق على الآية الأولى منها . .
أما المجموعة الثانية فليس هناك - فيما وصل إليه اطلاعي - رواية عن صحابي ولا تابعي عن كونها مدنية ؛ وليس في موضوعها ما يدعو إلى اعتبارها مدنية . وهي تتحدث عن تصورات جاهلية ؛ وهي متصلة بموضوع التحريم والتحليل في الذبائح والنذور الذي سبق الحديث عنه ، اتصالا وثيقا . . لذلك نميل إلى اعتبارها مكية كذلك . .
وفي المصحف الأميري أن الآيات ( 20 ، 23 ، 91 ، 92 ، 114 ، 141 ، 151 ، 152 ، 153 ) مدنية . وقد تحدثنا عن الآيات ( 91 ، 92 ) و ( 141 ) و ( 151 - 153 ) وليس في الآيات ( 20 ، 23 ، 114 ) ما يدعو إلى الظن بأنها مدنية إلا ذكر أهل الكتاب فيها . وهذا ليس دليلا فقد ورد مثل هذه في الآيات المكية . .
لهذا كله نحن نميل إلى اعتبار الروايات المطلقة ، التي تنص على أن السورة نزلت بجملتها في مكة في ليلة واحدة . وقد وردت عن ابن عباس وعن أسماء بنت يزيد ، وفي الرواية عن أسماء تحديد للرواية بحادث مصاحب على النحو التالي :