تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 999

مساهمون:

ص٩٩٩
معي ، وليس لهم ما يأكلون . ولست أريد أن أصرفهم صائمين لئلا يخوروا في الطريق . فقال له تلاميذه : من أين لنا في البرية خبز بهذا المقدار حتى يشبع جمعا هذا عدده ؟ فقال لهم يسوع : كم عندكم من الخبز ؟ فقالوا : سبعة وقليل من صغار السمك . فأمر الجموع أن يتكئوا على الأرض ؛ وأخذ السبع خبزات والسمك ، وشكر وكسر ، وأعطى تلاميذه ، والتلاميذ أعطوا الجمع ، فأكل الجمع وشبعوا ، ثم رفعوا ما فضل من الكسر سبعة سلال مملوءة ، والآكلون كانوا أربعة آلاف ، ما عدا النساء والأولاد » . . . وورد مثل هذه الرواية في سائر الأناجيل . . وبعض التابعين - رضوان اللّه عليهم - كمجاهد والحسن - يريان أن المائدة لم تنزل . لأن الحواريين حينما سمعوا قول اللّه سبحانه :
« إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ »
. . خافوا وكفوا عن طلب نزولها : قال ابن كثير في التفسير : « روى الليث بن أبي سليم عن مجاهد قال : « هو مثل ضربه اللّه ولم ينزل شيء » ( رواه ابن أبي حاتم وابن جرير ) . ثم قال ابن جرير : حدثنا الحارث ، حدثنا القاسم - هو ابن سلام - حدثنا حجاج عن ابن جريج عن مجاهد قال : مائدة عليها طعام أبوها حين عرض عليهم العذاب إن كفروا ، فأبوا أن تنزل عليهم . . وقال أيضا ؛ حدثنا أبو المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن منصور بن زاذان ، عن الحسن ، أنه قال في المائدة : إنها لم تنزل . . وحدثنا بشر ، حدثنا يزيد ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : كان الحسن يقول : لما قيل لهم :
« فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ »
قالوا : لا حاجة لنا فيها ، فلم تنزل » . ولكن أكثر آراء السلف على أنها نزلت . لأن اللّه تعالى قال :
« إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ »
. ووعد اللّه حق . وما أورده القرآن الكريم عن المائدة هو الذي نعتمده في أمرها دون سواه . . إن اللّه - سبحانه - يذكر عيسى بن مريم - في مواجهة قومه يوم الحشر وعلى مشهد من العالمين - بفضله عليه :
« إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ : يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ، هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ ؟ »
. . لقد كان الحواريون - وهم تلاميذ المسيح وأقرب أصحابه إليه وأعرفهم به - يعرفون أنه بشر . . ابن مريم . . وينادونه بما يعرفونه عنه حق المعرفة . وكانوا يعرفون أنه ليس ربا وإنما هو عبد مربوب للّه . وأنه ليس ابن اللّه ، إنما هو ابن مريم ومن عبيد اللّه ؛ وكانوا يعرفون كذلك أن ربه هو الذي يصنع تلك المعجزات الخوارق على يديه ، وليس هو الذي يصنعها من عند نفسه بقدرته الخاصة . . لذلك حين طلبوا إليه ، أن تنزل عليهم مائدة من السماء ، لم يطلبوها منه ، فهم يعرفون أنه بذاته لا يقدر على هذه الخارقة . وإنما سألوه :
« يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ، هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ ؟ »
. . واختلفت التأويلات في قولهم :
« هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ »
. . كيف سألوا بهذه الصيغة بعد إيمانهم باللّه وإشهاد عيسى - عليه السّلام - على إسلامهم له . وقيل : إن معنى يستطيع ليس ( يقدر ) ولكن المقصود هو لازم الاستطاعة وهو أن ينزلها عليهم . وقيل : إن معناها : هل يستجيب لك إذا طلبت . وقرئت : « هل تستطيع ربك » . بمعنى هل تملك أنت أن تدعو ربك لينزل علينا مائدة من السماء . . وعلى أية حال فقد رد عليهم عيسى - عليه السّلام - محذرا إياهم من طلب هذه الخارقة . . لأن المؤمنين لا يطلبون الخوارق ، ولا يقترحون على اللّه .
« قالَ : اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ »
. .