برسلهم الذين كانوا يكذبونهم . ليعلن في موقف الإعلان ، أن هؤلاء الرسل الكرام إنما جاءوهم من عند اللّه بدين اللّه ؛ وها هم أولاء مسؤولون بين يديه - سبحانه - عن رسالاتهم وعن أقوامهم الذين كانوا من قبل يكذبون .
أما الرسل فهم يعلنون أن العلم الحق للّه وحده ؛ وأن ما لديهم من علم لا ينبغي أن يدلوا به في حضرة صاحب العلم ، تأدبا وحياء ، ومعرفة بقدرهم في حضرة اللّه :
« قالُوا : لا عِلْمَ لَنا . إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ »
.
فأما سائر الرسل - غير عيسى عليه السّلام - فقد صدق بهم من صدق ، وقد كفر بهم من كفر ؛ ولقد انتهى أمرهم بهذا الجواب الكامل الشامل ، الذي يدع العلم كله للّه ، ويدع الأمر كله بين يديه . سبحانه . . فما يزيد السياق شيئا في هذا المشهد عنهم . . إنما يلتفت بالخطاب إلى عيسى بن مريم وحده ، لأن عيسى بن مريم هو الذي فتن قومه فيه ، وهو الذي غام الجو حوله بالشبهات ، وهو الذي خاض ناس في الأوهام والأساطير حول ذاته ، وحول صفاته ، وحول نشأته ومنتهاه .
يلتفت الخطاب إلى عيسى بن مريم - على الملأ ممن ألهوه وعبدوه وصاغوا حوله وحول أمه - مريم - التهاويل . .
يلتفت إليه يذكره نعمة اللّه عليه وعلى والدته ؛ ويستعرض المعجزات التي آتاها اللّه إياه ليصدق الناس برسالته ، فكذبه من كذبه منهم أشد التكذيب وأقبحه ؛ وفتن به وبالآيات التي جاءت معه من فتن ؛ وألهوه مع اللّه من أجل هذه الآيات ، وهي كلها من صنع اللّه الذي خلقه وأرسله وأيده بالمعجزات :
« إِذْ قالَ اللَّهُ : يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ . إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ ، تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا . وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ . وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي ، فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي . وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي . وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي . وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ . وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي ، قالُوا : آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ »
. .
إنها المواجهة بما كان من نعم اللّه على عيسى بن مريم وأمه . . من تأييده بروح القدس في مهده ، وهو يكلم الناس في غير موعد الكلام ؛ يبرئ أمه من الشبهة التي أثارتها ولادته على غير مثال ؛ ثم وهو يكلمهم في الكهولة يدعوهم إلى اللّه . . وروح القدس جبريل - عليه السّلام - يؤيده هنا وهناك . . ومن تعليمه الكتاب والحكمة ؛ وقد جاء إلى هذه الأرض لا يعلم شيئا ، فعلمه الكتابة وعلمه كيف يحسن تصريف الأمور ، كما علّمه التوراة التي جاء فوجدها في بني إسرائيل ، والإنجيل الذي آتاه إياه مصدقا لما بين يديه من التوراة . ثم من إيتائه خارق المعجزات التي لا يقدر عليها بشر إلا بإذن اللّه . فإذا هو يصور من الطين كهيئة الطير بإذن اللّه ؛ فينفخ فيها فتكون طيرا بإذن اللّه - لا ندري كيف لأننا لا ندري إلى اليوم كيف خلق اللّه الحياة ، وكيف يبث الحياة في الأحياء - وإذا هو يبرئ المولود أعمى - بإذن اللّه - حيث لا يعرف الطب كيف يرد إليه البصر - ولكن اللّه الذي يهب البصر أصلا قادر على أن يفتح عينيه للنور - ويبرئ الأبرص بإذن اللّه ، لا بدواء - والدواء وسيلة لتحقيق إذن اللّه في الشفاء ، وصاحب الإذن قادر على تغيير الوسيلة ، وعلى تحقيق الغاية بلا وسيلة - وإذا هو يحيي الموتى بإذن اللّه - وواهب الحياة أول مرة قادر على رجعها حين يشاء - ثم يذكره بنعمة اللّه عليه في حمايته من بني إسرائيل إذ جاءهم بهذه البينات كلها فكذبوه وزعموا أن معجزاته هذه الخارقة سحر مبين ! ذلك أنهم