تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 965

مساهمون:

ص٩٦٥
قريش : إن ثأركم بأرض الحبشة . فأهدوا إلى النجاشي وابعثوا له برجلين من ذوي رأيكم يعطيكم من عنده ، فتقتلونهم بمن قتل منكم ببدر . فبعث كفار قريش عمرو بن العاص وعبد اللّه بن أبي ربيعة بهدايا . فسمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بذلك ، فبعث رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - عمرو بن أمية الضمري وكتب معه إلى النجاشي ؛ فقدم على النجاشي ، فقرأ كتاب رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين ، وأرسل إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم . ثم أمر جعفر أن يقرأ عليهم القرآن ، فقرأ سورة « مريم » فقاموا تفيض أعينهم من الدمع . فهم الذين أنزل اللّه فيهم :
« وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا : إِنَّا نَصارى »
وقرأ إلى « الشاهدين » ( رواه أبو داود . قال : حدثنا محمد بن مسلمة المرادي ، قال : حدثنا ابن وهب . قال : أخبرني يونس عن ابن شهاب ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام . وعن سعيد بن المسيب وعن عروة بن الزبير : أن الهجرة الأولى هجرة المسلمين إلى أرض الحبشة . وساق الحديث بطوله . « وذكر البيهقي عن ابن إسحاق قال : قدم على النبي - صلى اللّه عليه وسلم - عشرون رجلا وهو بمكة ، أو قريب من ذلك ، من النصارى حين ظهر خبره ، من الحبشة ، فوجدوه في المسجد ، فكلموه وسألوه ، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة . فلما فرغوا من مسألتهم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - عما أرادوا ، دعاهم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - إلى اللّه عزّ وجل ، وتلا عليهم القرآن . فلما سمعوه فاضت أعينهم من الدمع ، ثم استجابوا له وآمنوا به وصدقوه ، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره . فلما قاموا من عنده اعترضهم أبو جهل في نفر من قريش فقالوا : خيبكم اللّه من ركب ! بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم فتأتونهم بخبر الرجل ، فلم تطل مجالستكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال لكم ، ما نعلم ركبا أحمق منكم - أو كما قال لهم - فقالوا : سلام عليكم لا نجاهلكم ، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ، لا نألو أنفسنا خيرا . . فيقال : إن النفر النصارى من أهل نجران . ويقال : إن فيهم نزلت هؤلاء الآيات :
« الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ »
إلى قوله :
« لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ »
. « وقيل : إن جعفرا وأصحابه قدم على النبي صلى اللّه عليه وسلم في سبعين رجلا عليهم ثياب الصوف ، فيهم اثنان وستون من الحبشة وثمانية من أهل الشام وهم بحيراء الراهب وإدريس وأشرف وأبرهة وثمامة وقثم ودريد وأيمن . فقرأ عليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سورة « يس » إلى آخرها ، فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا به ، وقالوا : ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى . فنزلت فيهم
« لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ، وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا : إِنَّا نَصارى »
. . يعني وفد النجاشي . وكانوا أصحاب الصوامع . وقال سعيد بن جبير : وأنزل اللّه فيهم أيضا
« الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ »
إلى قوله
« أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ »
إلى آخر الآية . وقال مقاتل والكلبي كانوا أربعين رجلا من أهل نجران من بني الحرث بن كعب ، واثنين وثلاثين من الحبشة ، وثمانية وستين من أهل الشام . وقال قتادة : نزلت في ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى ، فلما بعث اللّه محمدا صلى اللّه عليه وسلم آمنوا به فأثنى اللّه عليهم » . وهذا الذي نقرره في معنى هذا النص ؛ والذي يدل عليه السياق بذاته ، وتؤيده هذه الروايات التي أسلفنا ، هو الذي يتفق مع بقية التقريرات في هذه السورة وفي غيرها عن موقف أهل الكتاب عامة - اليهود والنصارى - من هذا الدين وأهله . كما أنه هو الذي يتفق مع الواقع التاريخي الذي عرفته الأمة المسلمة خلال أربعة عشر قرنا .