تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 963

مساهمون:

ص٩٦٣
« يَقُولُونَ : رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ . وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ ، وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ؟ »
. . إنهم أولا يعلنون لربهم إيمانهم بهذا الحق الذي عرفوه . ثم يدعونه - سبحانه - أن يضمهم إلى قائمة الشاهدين لهذا الحق ؛ وأن يسلكهم في سلك الأمة القائمة عليه في الأرض . . الأمة المسلمة ، التي تشهد لهذا الدين بأنه الحق ، وتؤدي هذه الشهادة بلسانها وبعملها وبحركتها لإقرار هذا الحق في حياة البشر . . فهؤلاء الشاهدون الجدد ينضمون إلى هذه الأمة المسلمة ؛ ويشهدون ربهم على إيمانهم بالحق الذي تتبعه هذه الأمة ؛ ويدعونه - سبحانه - أن يكتبهم في سجلها . . ثم هم بعد ذلك يستنكرون على أنفسهم أن يعوقهم معوق عن الإيمان باللّه ؛ أو أن يسمعوا هذا الحق ثم لا يؤمنوا به ، ولا يأملوا - بهذا الإيمان - أن يقبلهم ربهم ، ويرفع مقامهم عنده ، فيدخلهم مع القوم الصالحين :
« وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ ، وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ؟ »
. . فهو موقف صريح قاطع تجاه ما أنزل اللّه إلى رسوله من الحق . . موقف الاستماع والمعرفة ، ثم التأثر الغامر والإيمان الجاهر ، ثم الإسلام والانضمام إلى الأمة المسلمة ، مع دعاء اللّه - سبحانه - أن يجعلهم من الشاهدين لهذا الحق ؛ الذين يؤدون شهادتهم سلوكا وعملا وجهادا لإقراره في الأرض ، والتمكين له في حياة الناس . ثم وضوح الطريق في تقديرهم وتوحده ؛ بحيث لا يعودون يرون أنه يجوز لهم أن يمضوا إلا في طريق واحد : هو طريق الإيمان باللّه ، وبالحق الذي أنزله على رسوله ، والأمل - بعد ذلك - في القبول عنده والرضوان . ولا يقف السياق القرآني هنا عند بيان من هم الذين يعنيهم بأنهم أقرب مودة للذين آمنوا من الذين قالوا : إنا نصارى ؛ وعند بيان سلوكهم في مواجهة ما أنزل اللّه إلى الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - من الحق ؛ وفي اتخاذ موقف إيجابي صريح ، بالإيمان المعلن ، والانضمام إلى الصف المسلم ؛ والاستعداد لأداء الشهادة بالنفس والجهد والمال ؛ والدعاء إلى اللّه أن يقبلهم في الصف الشاهد لهذا الحق على هذا النحو ؛ مع الطمع في أن يختم لهم بالانضمام إلى موكب الصالحين . . لا يقف السياق القرآني عند هذا الحد في بيان أمر هؤلاء الذين يقرر أنهم أقرب مودة للذين آمنوا . بل يتابع خطاه لتكملة الصورة ، ورسم المصير الذي انتهوا إليه فعلا :
« فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها . وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ »
. . لقد علم اللّه صدق قلوبهم وألسنتهم ؛ وصدق عزيمتهم على المضي في الطريق ؛ وصدق تصميمهم على أداء الشهادة لهذا الدين الجديد الذي دخلوا فيه ؛ ولهذا الصف المسلم الذي اختاروه ، واعتبارهم أن أداء هذه الشهادة - بكل تكاليفها في النفس والمال - منة يمن اللّه بها على من يشاء من عباده ؛ واعتبارهم كذلك أنه لم يعد لهم طريق يسلكونه إلا هذا الطريق الذي أعلنوا المضي فيه ؛ ورجاءهم في ربهم أن يدخلهم مع القوم الصالحين . . لقد علم اللّه منهم هذا كله ؛ فقبل منهم قولهم ، وكتب لهم الجنة جزاء لهم ؛ وشهد لهم - سبحانه - بأنهم محسنون ، وأنه يجزيهم جزاء المحسنين :
« فَأَثابَهُمُ اللَّهُ - بِما قالُوا - جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها . . وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ . . »
. والإحسان أعلى درجات الإيمان والإسلام . . واللّه - جل جلاله - قد شهد لهذا الفريق من الناس أنه من المحسنين .