هو فريق خاص محدد الملامح هذا الذي يقول عنه القرآن الكريم :
« وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا : إِنَّا نَصارى »
. .
هو فريق لا يستكبر عن الحق حين يسمعه ، بل يستجيب له تلك الاستجابة العميقة الجاهرة الصريحة .
وهو فريق لا يتردد في إعلان استجابته للإسلام ، والانضمام للصف المسلم ؛ والانضمام إليه بصفة خاصة في تكاليف هذه العقيدة ؛ وهي أداء الشهادة لها بالاستقامة عليها والجهاد لإقرارها وتمكينها . وهو فريق علم اللّه منه صدق قوله فقبله في صفوف المحسنين . .
ولكن السياق القرآني لا يقف عند هذا الحد في تحديد ملامح هذا الفريق المقصود من الناس الذين تجدهم أقرب مودة للذين آمنوا . بل إنه ليمضي فيميزه من الفريق الآخر من الذين قالوا : إنا نصارى . ممن يسمعون هذا الحق فيكفرون به ويكذبون ، ولا يستجيبون له ، ولا ينضمون إلى صفوف الشاهدين :
« وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ »
. .
والمقصود قطعا بالذين كفروا وكذبوا في هذا الموضع هم الذين يسمعون - من الذين قالوا إنا نصارى - ثم لا يستجيبون . . والقرآن يسميهم الكافرين كلما كانوا في مثل هذا الموقف . سواء في ذلك اليهود والنصارى ؛ ويضمهم إلى موكب الكفار مع المشركين سواء ؛ ما داموا في موقف التكذيب لما أنزل اللّه على رسوله من الحق ؛ وفي موقف الامتناع عن الدخول في الإسلام الذي لا يقبل اللّه من الناس دينا سواه . . نجد هذا في مثل قول اللّه سبحانه :
« لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا - مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ - مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ »
. .
« إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا - مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ - فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ »
. .
« لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا : إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ »
. .
« لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ »
. .
« لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ »
. .
فهو تعبير مألوف في القرآن ، وحكم معهود . . وهو يأتي هنا للتفرقة بين فريقين من الذين قالوا : إنا نصارى ؛ وللتفرقة بين موقف كل فريق منهما تجاه الذين آمنوا ؛ وللتفرقة كذلك بين مصير هؤلاء وأولئك عند اللّه . . هؤلاء لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين . وأولئك أصحاب الجحيم . .
وليس كل من قالوا : إنهم نصارى إذن داخلين في ذلك الحكم :
« وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا »
. .
كما يحاول أن يقول من يقتطعون آيات القرآن دون تمامها . . إنما هذا الحكم مقصور على حالة معينة لم يدع السياق القرآني أمرها غامضا ، ولا ملامحها مجهلة ، ولا موقفها متلبسا بموقف سواها في كثير ولا قليل . .
ولقد وردت روايات لها قيمتها في تحديد من هم النصارى المعنيون بهذا النص :
أورد القرطبي في تفسيره : « وهذه الآية نزلت في النجاشي وأصحابه ، لما قدم عليهم المسلمون في الهجرة الأولى - حسب ما هو مشهور في سيرة ابن إسحاق وغيره - خوفا من المشركين وفتنتهم ؛ وكانوا ذوي عدد .
ثم هاجر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - إلى المدينة بعد ذلك فلم يقدروا على الوصول إليه ، حالت بينهم وبين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الحرب . فلما كانت وقعة بدر وقتل اللّه فيها صناديد الكفار ، قال كفار