تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 922

مساهمون:

ص٩٢٢
كذلك قد يعد اللّه المسلمين الغلب لتثبيت قلوبهم ؛ وإطلاقها من عوائق الواقع الحاضر أمامهم - وهي عوائق ساحقة في أحيان كثيرة - فإذا استيقنوا العاقبة قويت قلوبهم على اجتياز المحنة ؛ وتخطي العقبة ، والطمع في أن يتحقق على أيديهم وعد اللّه للأمة المسلمة ، فيكون لهم ثواب الجهاد ، وثواب التمكين لدين اللّه ، وثواب النتائج المترتبة على هذا التمكين . كذلك يشي ورود هذا النص في هذا المجال ، بحالة الجماعة المسلمة يومذاك ، وحاجتها إلى هذه البشريات . بذكر هذه القاعدة من غلبة حزب اللّه . . مما يرجح ما ذهبنا إليه عن تاريخ نزول هذا القطاع من السورة . ثم تخلص لنا هذه القاعدة ؛ التي لا تتعلق بزمان ولامكان . . فنطمئن إليها بوصفها سنة من سنن اللّه التي لا تتخلف . وإن خسرت العصبة المؤمنة بعض المعارك والمواقف . فالسنة التي لا تنقض هي أن حزب اللّه هم الغالبون . . ووعد اللّه القاطع أصدق من ظواهر الأمور في بعض مراحل الطريق ! وأن الولاء للّه ورسوله والذين آمنوا هو الطريق المؤدي لتحقق وعد اللّه في نهاية الطريق ! وبعد فلقد سلك المنهج القرآني في هذا السياق طرقا منوعة ، لنهي الذين آمنوا عن تولي المخالفين لهم في عقيدتهم من أهل الكتاب والمشركين ، ولتقرير هذه القاعدة الإيمانية في ضمائرهم وإحساسهم وعقولهم . مما يدل على أهمية هذه القاعدة في التصور الإسلامي ؛ وفي الحركة الإسلامية على السواء . . وقد رأينا من قبل أنه سلك في النداء الأول طريق النهي المباشر ، وطريق التخويف من أن يأتي اللّه بالفتح أو أمر من عنده ، فينكشف ستر المنافقين . . وسلك في النداء الثاني طريق التحذير من الردة بموالاة أعداء اللّه ورسوله والمؤمنين ؛ وطريق التحبيب في أن يكونوا من العصبة المختارة . ممن يحبهم اللّه ويحبونه ؛ وطريق الوعد بالنصر لحزب اللّه الغالب . . فالآن نجده في النداء الثالث في هذا الدرس للذين آمنوا يثير في نفوسهم الحمية لدينهم ولعبادتهم ولصلاتهم التي يتخذها أعداؤهم هزوا ولعبا . ونجده يسوي في النهي عن الموالاة بين أهل الكتاب والكفار ، وينوط هذا النهي بتقوى اللّه ؛ ويعلق على الاستماع إليه صفة الإيمان ؛ ويقبح فعلة الكفار وأهل الكتاب ويصفهم بأنهم لا يعقلون :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً - مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ - أَوْلِياءَ ، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً . ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ »
. . وهي ملابسة مثيرة لكل من له حمية المؤمن ؛ الذي لا يرى لنفسه كرامة إذا أهين دينه ، وأهينت عبادته ، وأهينت صلاته ، واتخذ موقفه بين يدي ربه مادة للهزء واللعب . . فكيف يقوم ولاء بين الذين آمنوا وبين أحد من هؤلاء الذين يرتكبون هذه الفعلة ؛ ويرتكبونها لنقص في عقولهم . فما يستهزئ بدين اللّه وعبادة المؤمنين به ، إنسان سويّ العقل ؛ فالعقل - حين يصح ويستقيم - يرى في كل شيء من حوله موحيات الإيمان باللّه . وحين يختل وينحرف لا يرى هذه الموحيات ، لأنه حينئذ تفسد العلاقات بينه وبين هذا الوجود كله . فالوجود كله يوحي بأن له إلها يستحق العبادة والتعظيم . والعقل حين يصح ويستقيم يستشعر جمال العبادة لإله الكون وجلالها كذلك ، فلا يتخذها هزوا ولعبا وهو صحيح مستقيم . ولقد كان هذا الاستهزاء واللعب يقع من الكفار ، كما كان يقع من اليهود خاصة من أهل الكتاب ، في