تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 920

مساهمون:

ص٩٢٠
وشهواتهم وقيمهم ؛ وأما من يستمد قوته وعزته من قوة اللّه وعزته ، فما يبالي ما يقول الناس وما يفعلون . كائنا هؤلاء الناس ما كانوا ؛ وكائنا واقع هؤلاء الناس ما كان ، وكائنة « حضارة » هؤلاء الناس وعلمهم وثقافتهم ما تكون ! إننا نحسب حسابا لما يقول الناس ؛ ولما يفعل الناس ؛ ولما يملك الناس ؛ ولما يصطلح عليه الناس ؛ ولما يتخذه الناس في واقع حياتهم من قيم واعتبارات وموازين . . لأننا نغفل أو نسهو عن الأصل الذي يجب أن نرجع إليه في الوزن والقياس والتقويم . . إنه منهج اللّه وشريعته وحكمه . . فهو وحده الحق وكل ما خالفه فهو باطل ؛ ولو كان عرف ملايين الملايين ، ولو أقرته الأجيال في عشرات القرون ! إنه ليست قيمة أي وضع ، أو أي عرف ، أو أي تقليد ، أو أية قيمة . . أنه موجود ؛ وأنه واقع ؛ وأن ملايين البشر يعتنقونه ، ويعيشون به ، ويتخذونه قاعدة حياتهم . . فهذا ميزان لا يعترف به التصور الإسلامي . إنما قيمة أي وضع ، وأي عرف ، وأي تقليد ، وأية قيمة ، أن يكون لها أصل في منهج اللّه ، الذي منه - وحده - تستمد القيم والموازين . . ومن هنا تجاهد العصبة المؤمنة في سبيل اللّه ولا تخاف لومة لائم . . فهذه سمة المؤمنين المختارين . . ثم إن ذلك الاختيار من اللّه ، وذلك الحب المتبادل بينه وبين المختارين ، وتلك السمات التي يجعلها طابعهم وعنوانهم ، وهذا الاطمئنان إلى اللّه في نفوسهم ، والسير على هداه في جهادهم . . ذلك كله من فضل اللّه .
« ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ . وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ »
. يعطي عن سعة ، ويعطي عن علم . . وما أوسع هذا العطاء ؛ الذي يختار اللّه له من يشاء عن علم وعن تقدير . ويحدد اللّه للذين آمنوا جهة الولاء الوحيدة التي تتفق مع صفة الإيمان ؛ ويبين لهم من يتولون :
« إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ »
. . هكذا على وجه القصر الذي لا يدع مجالا للتمحل أو التأول ؛ ولا يترك فرصة لتمييع الحركة الإسلامية أو تمييع التصور . . ولم يكن بد أن يكون الأمر كذلك ! لأن المسألة في صميمها - كما قلنا - هي مسألة العقيدة . ومسألة الحركة بهذه العقيدة . وليكون الولاء للّه خالصا ، والثقة به مطلقة ، وليكون الإسلام هو « الدين » . وليكون الأمر أمر مفاصلة بين الصف المسلم وسائر الصفوف التي لا تتخذ الإسلام دينا ، ولا تجعل الإسلام منهجا للحياة . ولتكون للحركة الإسلامية جديتها ونظامها ؛ فلا يكون الولاء فيها لغير قيادة واحدة وراية واحدة . ولا يكون التناصر إلا بين العصبة المؤمنة ؛ لأنه تناصر في المنهج المستمد من العقيدة . . ولكن حتى لا يكون الإسلام مجرد عنوان ، أو مجرد راية وشعار ، أو مجرد كلمة تقال باللسان ، أو مجرد نسب ينتقل بالوراثة ، أو مجرد وصف يلحق القاطنين في مكان ! فإن السياق يذكر بعض السمات الرئيسية للذين آمنوا :
« الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ ، وَهُمْ راكِعُونَ »
. . فمن صفتهم إقامة الصلاة - لا مجرد أداء الصلاة - وإقامة الصلاة تعني أداءها أداء كاملا ، تنشأ عنه آثارها التي يقررها قوله تعالى :
« إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ »
. . والذي لا تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر ،