باللّه ، وأنه من المسلمين . . إنه يدعي أنه أعلم من اللّه بحال الناس ؛ وأحكم من اللّه في تدبير أمرهم . أو يدعي أن أحوالا وحاجات جرت في حياة الناس ، وكان اللّه - سبحانه - غير عالم بها وهو يشرع شريعته ؛ أو كان عالما بها ولكنه لم يشرع لها ! ولا تستقيم مع هذا الادعاء دعوى الإيمان والإسلام . مهما قالها باللسان ! فأما مظاهر هذه الأفضلية فيصعب إدراكها كلها . فإن حكمة شرائع اللّه لا تنكشف كلها للناس في جيل من الأجيال . والبعض الذي ينكشف يصعب التوسع في عرضه هنا . . في الظلال . . فنكتفي منه ببعض اللمسات :
إن شريعة اللّه تمثل منهجا شاملا متكاملا للحياة البشرية ؛ يتناول بالتنظيم والتوجيه والتطوير كل جوانب الحياة الإنسانية ؛ في جميع حالاتها ، وفي كل صورها وأشكالها . .
وهو منهج قائم على العلم المطلق بحقيقة الكائن الإنساني ، والحاجات الإنسانية ، وبحقيقة الكون الذي يعيش فيه الإنسان ؛ وبطبيعة النواميس التي تحكمه وتحكم الكينونة الإنسانية . . ومن ثم لا يفرط في شيء من أمور هذه الحياة ؛ ولا يقع فيه ولا ينشأ عنه أي تصادم مدمر بين أنواع النشاط الإنساني ؛ ولا أي تصادم مدمر بين هذا النشاط والنواميس الكونية ؛ إنما يقع التوازن والاعتدال والتوافق والتناسق . . الأمر الذي لا يتوافر أبدا لمنهج من صنع الإنسان الذي لا يعلم إلا ظاهرا من الأمر ؛ وإلا الجانب المكشوف في فترة زمنية معينة ؛ ولا يسلم منهج يبتدعه من آثار الجهل الإنساني ؛ ولا يخلو من التصادم المدمر بين بعض ألوان النشاط وبعض .
والهزات العنيفة الناشئة عن هذا التصادم « 1 » .
وهو منهج قائم على العدل المطلق . . أولا . . لأن اللّه يعلم حق العلم بم يتحقق العدل المطلق وكيف يتحقق . .
وثانيا . . لأنه - سبحانه - رب الجميع ؛ فهو الذي يملك أن يعدل بين الجميع ؛ وأن يجيء منهجه وشرعه مبرأ من الهوى والميل والضعف - كما أنه مبرأ من الجهل والقصور والغلو والتفريط - الأمر الذي لا يمكن أن يتوافر في أي منهج أو في أي شرع من صنع الإنسان ، ذي الشهوات والميول ، والضعف والهوى - فوق ما به من الجهل والقصور - سواء كان المشرع فردا ، أو طبقة ، أو أمة ، أو جيلا من أجيال البشر . . فلكل حالة من هذه الحالات أهواؤها وشهواتها وميولها ورغباتها ؛ فوق أن لها جهلها وقصورها وعجزها عن الرؤية الكاملة لجوانب الأمر كله حتى في الحالة الواحدة في الجيل الواحد . .
وهو منهج متناسق مع ناموس الكون كله . لأن صاحبه هو صاحب هذا الكون كله . صانع الكون وصانع الإنسان . فإذا شرع للإنسان شرع له كعنصر كوني ، له سيطرة على عناصر كونية مسخرة له بأمر خالقه ؛ بشرط السير على هداه ، وبشرط معرفة هذه العناصر والقوانين التي تحكمها . . ومن هنا يقع التناسق بين حركة الإنسان وحركة الكون الذي يعيش فيه ؛ وتأخذ الشريعة التي تنظم حياته طابعا كونيا ، ويتعامل بها لا مع نفسه فحسب ، ولا مع بني جنسه فحسب ! ولكن كذلك مع الأحياء والأشياء في هذا الكون العريض ، الذي يعيش فيه ، ولا يملك أن ينفذ منه ، ولا بدّ له من التعامل معه وفق منهاج سليم قويم .
ثم . . إنه المنهج الوحيد الذي يتحرر فيه الإنسان من العبودية للإنسان . . ففي كل منهج - غير المنهج الإسلامي - يتعبد الناس الناس . ويعبد الناس الناس . وفي المنهج الإسلامي - وحده - يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة اللّه وحده بلا شريك . .
إن أخص خصائص الألوهية - كما أسلفنا - هي الحاكمية . . والذي يشرع لمجموعة من الناس يأخذ فيهم مكان الألوهية ويستخدم خصائصها . فهم عبيده لا عبيد اللّه ، وهم في دينه لا في دين اللّه .
هامش
( 1 ) يراجع بتوسع كتاب : « الإسلام ومشكلات الحضارة » فصل : « تخبط واضطراب » . « دار الشروق » .