تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 888

مساهمون:

ص٨٨٨
إنها قضية الحكم والشريعة والتقاضي - ومن ورائها قضية الألوهية والتوحيد والإيمان - والقضية في جوهرها تتلخص في الإجابة على هذا السؤال : أيكون الحكم والشريعة والتقاضي حسب مواثيق اللّه وعقوده وشرائعه التي استحفظ عليها أصحاب الديانات السماوية واحدة بعد الأخرى ؛ وكتبها على الرسل ، وعلى من يتولون الأمر بعدهم ليسيروا على هداهم ؟ أم يكون ذلك كله للأهواء المتقلبة ، والمصالح التي لا ترجع إلى أصل ثابت من شرع اللّه ، والعرف الذي يصطلح عليه جيل أو أجيال ؟ وبتعبير آخر : أتكون الألوهية والربوبية والقوامة للّه في الأرض وفي حياة الناس ؟ أم تكون كلها أو بعضها لأحد من خلقه يشرع للناس ما لم يأذن به اللّه ؟ اللّه - سبحانه - يقول : إنه هو اللّه لا إله إلا هو . وإن شرائعه التي سنها للناس بمقتضى ألوهيته لهم وعبوديتهم له ، وعاهدهم عليها وعلى القيام بها ؛ هي التي يجب أن تحكم هذه الأرض ، وهي التي يجب أن يتحاكم إليها الناس ، وهي التي يجب أن يقضي بها الأنبياء ومن بعدهم من الحكام . . واللّه - سبحانه - يقول : إنه لا هوادة في هذا الأمر ، ولا ترخص في شيء منه ، ولا انحراف عن جانب ولو صغير . وإنه لا عبرة بما تواضع عليه جيل ، أو لما اصطلح عليه قبيل ، مما لم يأذن به اللّه في قليل ولا كثير ! واللّه - سبحانه - يقول : إن المسألة - في هذا كله - مسألة إيمان أو كفر ؛ أو إسلام أو جاهلية ؛ وشرع أو هوى . وإنه لا وسط في هذا الأمر ولا هدنة ولا صلح ! فالمؤمنون هم الذين يحكمون بما أنزل اللّه - لا يخرمون منه حرفا ولا يبدلون منه شيئا - والكافرون الظالمون الفاسقون هم الذين لا يحكمون بما أنزل اللّه . وأنه إما أن يكون الحكام قائمين على شريعة اللّه كاملة فهم في نطاق الإيمان . وإما أن يكونوا قائمين على شريعة أخرى مما لم يأذن به اللّه ، فهم الكافرون الظالمون الفاسقون . وأن الناس إما أن يقبلوا من الحكام والقضاة حكم اللّه وقضاءه في أمورهم فهم مؤمنون . . وإلا فما هم بالمؤمنين . . ولا وسط بين هذا الطريق وذاك ؛ ولا حجة ولا معذرة ، ولا احتجاج بمصلحة . فاللّه رب الناس يعلم ما يصلح للناس ؛ ويضع شرائعه لتحقيق مصالح الناس الحقيقية . وليس أحسن من حكمه وشريعته حكم أو شريعة . وليس لأحد من عباده أن يقول : إنني أرفض شريعة اللّه ، أو إنني أبصر بمصلحة الخلق من اللّه . . فإن قالها - بلسانه أو بفعله - فقد خرج من نطاق الإيمان . . هذه هي القضية الخطيرة الكبيرة التي يعالجها هذا الدرس في نصوص تقريرية صريحة . . ذلك إلى جانب ما يصوره من حال اليهود في المدينة ، ومناوراتهم ومؤامراتهم مع المنافقين :
« مِنَ الَّذِينَ قالُوا : آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ »
. وما يوجه به رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - لمواجهة هذا الكيد الذي لم تكف عنه يهود ، منذ أن قامت للإسلام دولة في المدينة . . والسياق القرآني في هذا الدرس يقرر أولا : توافي الديانات التي جاءت من عند اللّه كلها على تحتيم الحكم بما أنزله اللّه ؛ وإقامة الحياة كلها على شريعة اللّه ؛ وجعل هذا الأمر مفرق الطريق بين الإيمان والكفر ؛ وبين الإسلام والجاهلية ؛ وبين الشرع والهوى . . فالتوراة أنزلها اللّه فيها هدى ونور :
« يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ »
. .
« وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ »
. .
« وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ
. . إلخ » . . والإنجيل آتاه اللّه عيسى بن مريم
« مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ . وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ »
. . والقرآن