أنزله اللّه على رسوله
« بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ »
وقال له :
« فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ »
. .
« وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ »
. .
« وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ »
. .
« وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ »
. .
« أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ؟ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ؟ »
. . وكذلك تتوافى الديانات كلها على هذا الأمر ، ويتعين حد الإيمان وشرط الإسلام ، سواء للمحكومين أو للحكام . . والمناط هو الحكم بما أنزل اللّه من الحكام ، وقبول هذا الحكم من المحكومين ، وعدم ابتغاء غيره من الشرائع والأحكام . .
والمسألة في هذا الوضع خطيرة ؛ والتشدد فيها على هذا النحو يستند إلى أسباب لا بد خطيرة كذلك . فما هي يا ترى هذه الأسباب ؟ إننا نحاول أن نتلمسها سواء في هذه النصوص أو في السياق القرآني كله ، فنجدها واضحة بارزة . .
إن الاعتبار الأول في هذه القضية هو أنها قضية الإقرار بألوهية اللّه وربوبيته وقوامته على البشر - بلا شريك - أو رفض هذا الإقرار . . ومن هنا هي قضية كفر أو إيمان ، وجاهلية أو إسلام . .
. . والقرآن كله معرض بيان هذه الحقيقة . .
إن اللّه هو الخالق . . خلق هذا الكون ، وخلق هذا الإنسان . وسخر ما في السماوات والأرض لهذا الإنسان . .
وهو - سبحانه - متفرد بالخلق ، لا شريك له في كثير منه أو قليل .
وإن اللّه هو المالك . . بما أنه هو الخالق . . وللّه ملك السماوات والأرض وما بينهما . . فهو - سبحانه - متفرد بالملك . لا شريك له في كثير منه أو قليل .
وإن اللّه هو الرازق . . فلا يملك أحد أن يرزق نفسه أو غيره شيئا . لا من الكثير ولا من القليل . .
وإن اللّه هو صاحب السلطان المتصرف في الكون والناس . . بما أنه هو الخالق المالك الرازق . . وبما أنه هو صاحب القدرة التي لا يكون بدونها خلق ولا رزق ولا نفع ولا ضر . وهو - سبحانه - المتفرد بالسلطان في هذا الوجود .
والإيمان هو الإقرار للّه - سبحانه - بهذه الخصائص . الألوهية ، والملك ، والسلطان . . متفردا بها لا يشاركه فيها أحد . والإسلام هو الاستسلام والطاعة لمقتضيات هذه الخصائص . . هو إفراد اللّه - سبحانه - بالألوهية والربوبية والقوامة على الوجود كله - وحياة الناس ضمنا - والاعتراف بسلطانه الممثل في قدره ؛ والممثل كذلك في شريعته . فمعنى الاستسلام لشريعة اللّه هو - قبل كل شيء - الاعتراف بألوهيته وربوبيته وقوامته وسلطانه . ومعنى عدم الاستسلام لهذه الشريعة ، واتخاذ شريعة غيرها في أية جزئية من جزئيات الحياة ، هو - قبل كل شيء - رفض الاعتراف بألوهية اللّه وربوبيته وقوامته وسلطانه . . ويستوي أن يكون الاستسلام أو الرفض باللسان أو بالفعل دون القول . . وهي من ثم قضية كفر أو إيمان ؛ وجاهلية أو إسلام . ومن هنا يجيء هذا النص :
« وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ »
. . « الظالمون » . . « الفاسقون » .
والاعتبار الثاني هو اعتبار الأفضلية الحتمية المقطوع بها لشريعة اللّه على شرائع الناس . . هذه الأفضلية التي تشير إليها الآية الأخيرة في هذا الدرس :
« وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ؟ »
. .
والاعتراف المطلق بهذه الأفضلية لشريعة اللّه ، في كل طور من أطوار الجماعة ، وفي كل حالة من حالاتها . .
هو كذلك داخل في قضية الكفر والإيمان . . فما يملك إنسان أن يدعي أن شريعة أحد من البشر ، تفضل أو تماثل شريعة اللّه ، في أية حالة أو في أي طور من أطوار الجماعة الإنسانية . . ثم يدعي - بعد ذلك - أنه مؤمن