بلادهم حربيون ، غير أن أهل البلد يطبقون أحكام الإسلام ويقضون بينهم حسب شريعة الإسلام . . فالمدار كله في اعتبار بلد ما « دار إسلام » هو تطبيقه لأحكام الإسلام وحكمه بشريعة الإسلام . .
الثاني : دار الحرب . وتشمل كل بلد لا تطبق فيه أحكام الإسلام ، ولا يحكم بشريعة الإسلام . . كائنا أهله ما كانوا . . سواء قالوا : إنهم مسلمون ، أو إنهم أهل كتاب ، أو إنهم كفار . فالمدار كله في اعتبار بلد ما « دار حرب » هو عدم تطبيقه لأحكام الإسلام وعدم حكمه بشريعة الإسلام ، وهو يعتبر « دار حرب » بالقياس للمسلم وللجماعة المسلمة .
والمجتمع المسلم هو المجتمع الذي يقوم في دار الإسلام بتعريفها ذاك .
وهذا المجتمع ، القائم على منهج اللّه ، المحكوم بشريعته ، هو الذي يستحق أن تصان فيه الدماء ، وتصان فيه الأموال ؛ ويصان فيه النظام العام ؛ وأن توقع على المخلين بأمنه ، المعتدين على الأرواح والأموال فيه العقوبات التي تنص عليها الشريعة الإسلامية ، في هذا الدرس وفي سواه . . ذلك أنه مجتمع رفيع فاضل ؛ ومجتمع متحرر عادل ؛ ومجتمع مكفولة فيه ضمانات العمل وضمانات الكفاية لكل قادر ولكل عاجز ؛ ومجتمع تتوافر فيه الحوافز على الخير وتقل فيه الحوافز على الشر من جميع الوجوه . فمن حقه إذن على كل من يعيش فيه أن يرعى هذه النعمة التي يسبغها عليه النظام ؛ وأن يرعى حقوق الآخرين كلها من أرواح وأموال وأعراض وأخلاق ؛ وأن يحافظ على سلامة « دار الإسلام » التي يعيش فيها آمنا سالما غانما مكفول الحقوق جميعا ، معترفا له بكل خصائصه الإنسانية ، وبكل حقوقه الاجتماعية - بل مكلفا بحماية هذه الخصائص والحقوق - فمن خرج بعد ذلك كله على نظام هذه الدار - دار الإسلام - فهو معتد أثيم شرير يستحق أن يؤخذ على يده بأشد العقوبات ؛ مع توفير كل الضمانات له في أن لا يؤخذ بالظن ، وأن تدرأ عنه الحدود بالشبهات .
فأما « دار الحرب » . . بتعريفها ذاك . . فليس من حقها ولا من حق أهلها أن يتمتعوا بما توفره عقوبات الشريعة الإسلامية من ضمانات ، لأنها ابتداء لا تطبق شريعة الإسلام ، ولا تعترف بحاكمية الإسلام . . وهي - بالنسبة للمسلمين ( الذين يعيشون في دار الإسلام ويطبقون على حياتهم شريعة الإسلام ) - ليست حمى .
فأرواحها وأموالها مباحة ؛ لا حرمة لها عند الإسلام - إلا بعهد من المسلمين ؛ حين تقوم بينها وبين دار الإسلام المعاهدات - كذلك توفر الشريعة هذه الضمانات كلها للأفراد الحربيين ( القادمين من دار الحرب ) إذا دخلوا دار الإسلام بعهد أمان ؛ مدة هذا العهد ؛ وفي حدود « دار الإسلام » التي تدخل في سلطان الحاكم المسلم ( والحاكم المسلم هو الذي يطبق شريعة الإسلام ) .
وعلى ضوء هذا البيان نستطيع أن نمضي مع السياق :
« وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ : إِذْ قَرَّبا قُرْباناً ، فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ : لَأَقْتُلَنَّكَ . قالَ : إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ . لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ، إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ ، وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ . فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ ، فَقَتَلَهُ ، فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ . فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ ، لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ . قالَ : يا وَيْلَتى ! أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ ، فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي ؟ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ . . . »
هذه القصة تقدم نموذجا لطبيعة الشر والعدوان ؛ ونموذجا كذلك من العدوان الصارخ الذي لا مبرر له .
كما تقدم نموذجا لطبيعة الخير والسماحة ؛ ونموذجا كذلك من الطيبة والوداعة . وتقفهما وجها لوجه ، كل منهما يتصرف وفق طبيعته . . وترسم الجريمة المنكرة التي يرتكبها الشر ، والعدوان الصارخ الذي يثير الضمير ؛