تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 873

مساهمون:

ص٨٧٣
الشريعة الإسلامية والحكم الإسلامي . وحماية المال والملكية الفردية في هذا المجتمع ، الذي يقوم نظامه الاجتماعي كله على شريعة اللّه . وتستغرق هذه الأحكام المتعلقة بهذه الأمور الجوهرية في حياة المجتمع هذا الدرس ؛ مع تقدمة لهذه الأحكام بقصة « ابني آدم » التي تكشف عن طبيعة الجريمة وبواعثها في النفس البشرية ؛ كما تكشف عن بشاعة الجريمة وفجورها ؛ وضرورة الوقوف في وجهها والعقاب لفاعلها ؛ ومقاومة البواعث التي تحرك النفس للإقدام عليها . وتبدو القصة وإيحاءاتها ملتحمة التحاما قويا مع الأحكام التالية لها في السياق القرآني . ويحس القارئ المتأمل للسياق بوظيفة هذه القصة في موضعها ؛ وبعمق الإيحاء الإقناعي الذي تسكبه في النفس وترسبه ؛ والاستعداد الذي تنشئه في القلب والعقل لتلقي الأحكام المشددة التي يواجه بها الإسلام جرائم الاعتداء على النفس والحياة ؛ والاعتداء على النظام العام ؛ والاعتداء على المال والملكية الفردية ؛ في ظل المجتمع الإسلامي ؛ القائم على منهج اللّه ؛ المحكوم بشريعته . والمجتمع المسلم يقيم حياته كلها على منهج اللّه وشريعته ؛ وينظم شؤونه وارتباطاته وعلاقاته على أسس ذلك المنهج وعلى أحكام هذه الشريعة . . ومن ثم يكفل لكل فرد - كما يكفل للجماعة - كل عناصر العدالة والكفاية والاستقرار والطمأنينة ، ويكف عنه كل عوامل الاستفزاز والإثارة ، وكل عوامل الكبت والقمع ، وكل عوامل الظلم والاعتداء ، وكل عوامل الحاجة والضرورة . وكذلك يصبح الاعتداء - في مثل هذا المجتمع الفاضل العادل المتوازن المتكافل - على النفس والحياة ، أو على النظام العام ، أو على الملكية الفردية ؛ جريمة بشعة منكرة ، مجردة عن البواعث المبررة - أو المخففة - بصفة عامة . . وهذا يفسر التشدد ضد الجريمة والمجرمين بعد تهيئة الظروف المساعدة على الاستقامة عند الأسوياء من الناس ؛ وتنحية البواعث على الجريمة من حياة الفرد وحياة الجماعة . . وإلى جانب هذا كله ، ومع هذا كله ؛ يكفل النظام الإسلامي للمجرم المعتدي كل الضمانات لسلامة التحقيق والحكم ؛ ويدرأ عنه الحدود بالشبهات ؛ ويفتح له كذلك باب التوبة التي تسقط الجريمة في حساب الدنيا في بعض الحالات ، وتسقطها في حساب الآخرة في كل الحالات . . . وسنرى نماذج من هذا كله في هذا الدرس ، وفيما تضمنه من أحكام . . ولكن قبل أن نأخذ في المضي مع السياق وفي الحديث المباشر عن هذه الأحكام التي تضمنها لا بد أن نقول كلمة عامة ؛ عن البيئة التي تنفذ فيها هذه الأحكام ؛ والشروط التي تجعل لها قوة النفاذ . . إن هذه الأحكام الواردة في هذا الدرس - سواء فيما يتعلق بالاعتداء على النفس أو الاعتداء على النظام العام ؛ أو الاعتداء على المال - شأنها شأن سائر الأحكام الواردة في الشريعة ، في جرائم الحدود ؛ والقصاص ؛ والتعازير . . كلها إنما تكون لها قوة التنفيذ في « المجتمع المسلم » في « دار الإسلام » . . ولا بد من بيان ما تعنيه الشريعة بدار الإسلام : ينقسم العالم في نظر الإسلام وفي اعتبار المسلم إلى قسمين اثنين لا ثالث لهما : الأول : « دار الإسلام » . . وتشمل كل بلد تطبق فيه أحكام الإسلام ، وتحكمه شريعة الإسلام ، سواء كان أهله كلهم مسلمين ، أو كان أهله مسلمين وذميين . أو كان أهله كلهم ذميين ولكن حكامه مسلمون يطبقون فيه أحكام الإسلام ، ويحكمونه بشريعة الإسلام « 1 » . أو كانوا مسلمين ، أو مسلمين وذميين ولكن غلب على
هامش
( 1 ) لا يلزم الذمي بكل أحكام الإسلام . إنما يلزم فقط بما لا يتعارض مع عقيدته من أحكام الإسلام . .
في ظلال القرآن — صفحة 873 | سيد قطب