تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 871

مساهمون:

ص٨٧١
هذه هي نهاية المطاف بموسى عليه السلام . نهاية الجهد الجهيد . والسفر الطويل . واحتمال الرذالات والانحرافات والالتواءات من بني إسرائيل ! نعم ها هي ذي نهاية المطاف . . نكوصا عن الأرض المقدسة ، وهو معهم على أبوابها . ونكولا عن ميثاق اللّه وهو مرتبط معهم بالميثاق . . فما ذا يصنع ؟ وبمن يستجير ؟
« قالَ : رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي . فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ »
. . دعوة فيها الألم . وفيها الالتجاء . وفيها الاستسلام . وفيها - بعد ذلك - المفاصلة والحسم والتصميم ! وإنه ليعلم أن ربه يعلم أنه لا يملك إلا نفسه وأخاه . . ولكن موسى في ضعف الإنسان المخذول . وفي إيمان النبي الكليم . وفي عزم المؤمن المستقيم ، لا يجد متوجها إلا للّه . يشكو له بثه ونجواه ، ويطلب إليه الفرقة الفاصلة بينه وبين القوم الفاسقين . فما يربطه بهم شيء بعد النكول عن ميثاق اللّه الوثيق . . ما يربطه بهم نسب . وما يربطه بهم تاريخ . وما يربطه بهم جهد سابق . إنما تربطه بهم هذه الدعوة إلى اللّه ، وهذا الميثاق مع اللّه . وقد فصلوه . فانبت ما بينه وبينهم إلى الأعماق . وما عاد يربطه بهم رباط . . إنه مستقيم على عهد اللّه وهم فاسقون . . إنه مستمسك بميثاق اللّه وهم ناكصون . . هذا هو أدب النبي . وهذه هي خطة المؤمن . وهذه هي الآصرة التي يجتمع عليها أو يتفرق المؤمنون . . لا جنس . لا نسب . لا قوم . لا لغة . لا تاريخ . لا وشيجة من كل وشائج الأرض ؛ إذا انقطعت وشيجة العقيدة ؛ وإذا اختلف المنهج والطريق . . واستجاب اللّه لنبيه . وقضى بالجزاء العدل على الفاسقين .
« قالَ : فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ . فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ »
. وهكذا أسلمهم اللّه - وهم على أبواب الأرض المقدسة - للتيه ؛ وحرم عليهم الأرض التي كتبها لهم . . والأرجح أنه حرمها على هذا الجيل منهم حتى تنبت نابتة جديدة ؛ وحتى ينشأ جيل غير هذا الجيل . جيل يعتبر بالدرس ، وينشأ في خشونة الصحراء وحريتها صلب العود . . جيل غير هذا الجيل الذي أفسده الذل والاستعباد والطغيان في مصر ، فلم يعد يصلح لهذا الأمر الجليل ! والذل والاستعباد والطغيان يفسد فطرة الأفراد كما يفسد فطرة الشعوب . ويتركهم السياق هنا - في التيه - لا يزيد على ذلك . . وهو موقف تجتمع فيه العبرة النفسية إلى الجمال الفني ، على طريقة القرآن في التعبير « 1 » . ولقد وعى المسلمون هذا الدرس - مما قصه اللّه عليهم من القصص - فحين واجهوا الشدة وهم قلة أمام نفير قريش في غزوة بدر ، قالوا لنبيهم - صلى اللّه عليه وسلم - إذن لا نقول لك يا رسول اللّه ما قاله بنو إسرائيل لنبيهم .
« فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ »
لكن نقول : اذهب أنت وربك فقاتلا فإننا معكما مقاتلون . . وكانت هذه بعض آثار المنهج القرآني في التربية بالقصص عامة ؛ وبعض جوانب حكمة اللّه في تفصيل قصة بني إسرائيل . .
هامش
( 1 ) يراجع فصل القصة في القرآن في كتاب « التصوير الفني في القرآن » للمؤلف وكتاب « منهج الفن الإسلامي » لمحمد قطب « دار الشروق »