وعلى الوفاء بالميثاق . ولا بد أن يختلف مصير الذين كفروا وكذبوا عن مصير الذين آمنوا وعملوا الصالحات عند اللّه :
« وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ . لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ . وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ »
. .
إنه الجزاء الذي يعوض الخيرين عما يفوتهم من عرض الحياة الدنيا - وهم ينهضون بالتكاليف العليا - والذي تصغر معه تكاليف القوامة على أهواء البشرية وعنادها ولجاجها في هذه الأرض . . ثم هو العدل الإلهي الذي لا يسوي بين جزاء الخيرين وجزاء الأشرار ! ولا بد من تعليق قلوب المؤمنين وأنظارهم بهذا العدل وبذلك الجزاء . لتتعامل مع اللّه متجردة من كل النوازع المعوقة من ملابسات الحياة . . وبعض القلوب يكفيها أن تشعر برضاء اللّه ؛ وتتذوق حلاوة هذا الرضى ؛ كما تتذوق حلاوة الوفاء بالميثاق . . ولكن المنهج يتعامل مع الناس جميعا . مع الطبيعة البشرية . واللّه يعلم من هذه الطبيعة حاجتها إلى هذا الوعد بالمغفرة والأجر العظيم . وحاجتها كذلك إلى معرفة جزاء الكافرين المكذبين ! إن هذا وذلك يرضي هذه الطبيعة . يطمئنها على مصيرها وجزائها ؛ ويشفي غيظها من أفاعيل الشريرين ! وبخاصة إذا كانت مأمورة بالعدل مع من تكره من هؤلاء ! بعد أن تلقى منهم ما تلقى من الكيد والإيذاء . . والمنهج الرباني يأخذ الطبيعة البشرية بما يعلمه اللّه من أمرها ؛ ويهتف لها بما تتفتح له مشاعرها ، وتستجيب له كينونتها . . ذلك فوق أن المغفرة والأجر العظيم دليل رضى اللّه الكريم ؛ وفيهما مذاق الرضى فوق مذاق النعيم .
ويمضي السياق يقوّي في الجماعة المسلمة روح العدل والقسط والسماحة ؛ ويكفكف فيها شعور العدوان والميل والانتقام . . فيذكر المسلمين نعمة اللّه عليهم في كف المشركين عنهم ، حين هموا في عام الحديبية - أو في غيره - أن يبسطوا إليهم أيديهم بالعدوان :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ . إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ ، فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ . وَاتَّقُوا اللَّهَ . وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ »
. .
وتختلف الروايات في من تعنيهم هذه الآية . ولكن الأرجح أنها إشارة إلى حادثة المجموعة التي همت يوم الحديبية أن تغدر برسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وبالمسلمين ، فتأخذهم على غرة . فأوقعهم اللّه أسارى في أيدي المسلمين ( كما فصلنا ذلك في تفسير سورة الفتح ) « 1 » .
وأيا ما كان الحادث ، فإن عبرته في هذا المقام هي المنشودة في المنهج التربوي الفريد ، وهي إماتة الغيظ والشنآن لهؤلاء القوم في صدور المسلمين . كي يفيئوا إلى الهدوء والطمأنينة وهم يرون أن اللّه هو راعيهم وكالئهم .
وفي ظل الهدوء والطمأنينة يصبح ضبط النفس ، وسماحة القلب ، وإقامة العدل ميسورة . ويستحيي المسلمون أن لا يفوا بميثاقهم مع اللّه ؛ وهو يرعاهم ويكلؤهم ، ويكف الأيدي المبسوطة إليهم .
ولا ننس أن نقف وقفة قصيرة أمام التعبير القرآني المصور :
« إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ ، فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ »
. .
في مقام : إذ همّ قوم أن يبطشوا بكم ويعتدوا عليكم فحماكم اللّه منهم . .
هامش
( 1 ) يراجع جزء 26 من الظلال .