تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 851

مساهمون:

ص٨٥١
استخدام الماء ، يستعاض بالتيمم ، الذي لا يحقق إلا هذا الشطر الأقوى . . وذلك كله فضلا على أن هذا الدين منهج عام ليواجه جميع الحالات ، وجميع البيئات ، وجميع الأطوار ، بنظام واحد ثابت ، فتتحقق حكمته في جميع الحالات والبيئات والأطوار ؛ في صورة من الصور ، بمعنى من المعاني ؛ ولا تبطل هذه الحكمة أو تتخلف في أية حال . فلنحاول أن نتفهم أسرار هذه العقيدة قبل أن نفتي فيها بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير . ولنحاول أن نكون أكثر أدبا مع اللّه ؛ فيما نعلم وفيما لا نعلم على السواء « 1 » . كذلك يقودنا الحديث عن التيمم للصلاة عند تعذر الطهارة بالوضوء أو الغسل أو ضررها إلى لفتة أخرى عن الصلاة ذاتها . عن حرص المنهج الإسلامي على إقامة الصلاة ؛ وإزالة كل عائق يمنع منها . . فهذا الحكم بالإضافة إلى الأحكام الأخرى كالصلاة عند الخوف والصلاة في حالة المرض من قعود أو من استلقاء حسب الإمكان . . كل هذه الأحكام تكشف عن الحرص البالغ على إقامة الصلاة ؛ وتبين إلى أي حد يعتمد المنهج على هذه العبادة لتحقيق أغراضه التربوية في النفس البشرية . إذ يجعل من لقاء اللّه والوقوف بين يديه وسيلة عميقة الأثر ، لا يفرط فيها في أدق الظروف وأحرجها ؛ ولا يجعل عقبة من العقبات تحول بين المسلم وبين هذا الوقوف وهذا اللقاء . . لقاء العبد بربه . . وعدم انقطاعه عنه لسبب من الأسباب . . إنها نداوة القلب ، واسترواح الظل ، وبشاشة اللقاء . . ويعقب على أحكام الطهارة ، وعلى ما سبقها من الأحكام بتذكير الذين آمنوا بنعمة اللّه عليهم بالإيمان ، وبميثاق اللّه معهم على السمع والطاعة ، وهو الميثاق الذي دخلوا به في الإسلام - كما تقدم - كما يذكرهم تقوى اللّه ، وعلمه بما تنطوي عليه الصدور :
« وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ، وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ : سَمِعْنا وَأَطَعْنا ، وَاتَّقُوا اللَّهَ ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ »
. . وكان المخاطبون بهذا القرآن أول مرة يعرفون - كما قدمنا - قيمة نعمة اللّه عليهم بهذا الدين . إذ كانوا يجدون حقيقتها في كيانهم ، وفي حياتهم ، وفي مجتمعهم ، وفي مكانهم من البشرية كلها من حولهم . ومن ثم كانت الإشارة - مجرد الإشارة - إلى هذه النعمة تكفي ، إذ كانت توجه القلب والنظر إلى حقيقة ضخمة قائمة في حياتهم ملموسة . كذلك كانت الإشارة إلى ميثاق اللّه الذي واثقهم به على السمع والطاعة ، تستحضر لتوها حقيقة مباشرة يعرفونها . كما كانت تثير في مشاعرهم الاعتزاز حيث تقفهم من اللّه ذي الجلال موقف الطرف الآخر في تعاقد مع اللّه ، وهو أمر هائل جليل في حس المؤمن ، حين يدرك حقيقته هذه ويتملاها . . ومن ثم يكلهم اللّه في هذا إلى التقوى . إلى إحساس القلب باللّه ، ومراقبته في خطراته الخافية :
« وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ »
. . والتعبير « بذات الصدور » تعبير مصور معبر موح ، نمر به كثيرا في القرآن الكريم . فيحسن أن ننبه إلى ما فيه من دقة وجمال وإيحاء . وذات الصدور : أي صاحبة الصدور ، الملازمة لها ، اللاصقة بها . وهي كناية
هامش
( 1 ) كذلك الحال في الزكاة والضرائب المالية . فهذه غير تلك ، ولا تغني غناءها . . وسيجيء شيء عن هذا في هذا الجزء .
في ظلال القرآن — صفحة 851 | سيد قطب