تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 785

مساهمون:

ص٧٨٥
إنها العودة إلى نداء الذين آمنوا ، بالصفة التي تفرقهم وتميزهم ممن حولهم . والتي بها يتميز منهجهم وسلوكهم وواقعهم . والتي بها يستجيبون للنداء كذلك ويطيعون التوجيهات . نداء لهم بهذه الصفة أن يحذروا سلوك طريق المنافقين ، ويحذروا أن يتولوا الكفار من دون المؤمنين . . وهو نداء لا بد كانت هناك حاجة إليه في المجتمع المسلم يومذاك . حيث كانت الصلات ما تزال قائمة في المجتمع بين بعض المسلمين واليهود في المدينة ؛ وبين بعض المسلمين وقرابتهم في قريش - ولو من الناحية النفسية - ونقول « بعض المسلمين » لأن هناك البعض الآخر ؛ الذي فصم كل علاقاته بالمجتمع الجاهلي - حتى مع الآباء والأنباء - وجعل العقيدة وحدها هي آصرة التجمع ووشيجة الرحم ؛ كما علمهم اللّه . وذلك البعض هو الذي كانت الحاجة قائمة لتنبيهه إلى أن هذا هو طريق النفاق والمنافقين - بعد تصوير النفاق والمنافقين تلك الصور الزرية المنفرة البغيضة - وتحذيره من التعرض لغضب اللّه وبطشه ونقمته :
« أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً ؟ »
ولا يفرق قلب المؤمن ويرتجف أكثر من فرقه وارتجافه من التعرض لبطش اللّه ونقمته . . ومن ثم جاء التعبير في صورة الاستفهام . . ومجرد التلويح بالاستفهام يكفي في خطاب قلوب المؤمنين ! وطرقة أخرى عالية على هذه القلوب . غير موجهة إليها مباشرة . ولكن عن طريق التلويح . . طرقة تقرر المصير الرعيب المفزع المهين للمنافقين :
« إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ . وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً »
. في الدرك الأسفل . . إنه مصير يتفق مع ثقلة الأرض التي تلصقهم بالتراب ، فلا ينطلقون ولا يرتفعون . ثقلة المطامع والرغائب ، والحرص والحذر ، والضعف والخور ! الثقلة التي تهبط بهم إلى موالاة الكافرين ومداراة المؤمنين . والوقوف في الحياة ذلك الموقف المهين :
« مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ . لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ »
. . فهم كانوا في الحياة الدنيا يزاولون تهيئة أنفسهم وإعدادها لذلك المصير المهين
« فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ »
. . بلا أعوان هنالك ولا أنصار . . وهم كانوا يوالون الكفار في الدنيا ، فأنى ينصرهم الكفار ؟ ثم يفتح لهم - بعد هذا المشهد المفزع - باب النجاة . . باب التوبة لمن أراد النجاة :
« إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا ، وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ ، وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ . فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ . وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً »
. . وفي مواضع أخرى كان يكتفي بأن يقول :
« إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا »
. . فالتوبة والإصلاح يتضمنان الاعتصام باللّه ، وإخلاص الدين للّه . ولكنه هنا ينص على الاعتصام باللّه ، وإخلاص الدين للّه . لأنه يواجه نفوسا تذبذبت ، ونافقت ، وتولت غير اللّه . فناسب أن ينص عند ذكر التوبة والإصلاح ، على التجرد للّه ، والاعتصام به وحده ؛ وخلاص هذه النفوس من تلك المشاعر المذبذبة ، وتلك الأخلاق المخلخلة . . ليكون في الاعتصام باللّه وحده قوة وتماسك ، وفي الإخلاص للّه وحده خلوص وتجرد . . بذلك تخف تلك الثقلة التي تهبط بالمنافقين في الحياة الدنيا إلى اللصوق بالأرض ، وتهبط بهم في الحياة الآخرة إلى الدرك الأسفل من النار . وبذلك يرتفع التائبون منهم إلى مصاف المؤمنين ؛ المعتزين بعزة اللّه وحده . المستعلين بالإيمان . المنطلقين من ثقلة الأرض بقوة الإيمان . . وجزاء المؤمنين - ومن معهم - معروف :