« وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً »
.
وبهذه اللمسات المنوعة ، يكشف حقيقة المنافقين في المجتمع المسلم ، ويقلل من شأنهم ؛ وينبه المؤمنين إلى مزالق النفاق ، ويحذرهم مصيره . ويفتح باب التوبة للمنافقين ؛ ليحاول من فيه منهم خير ، أن يخلص نفسه ، وينضم إلى الصف المسلم في صدق وفي حرارة وفي إخلاص . .
وأخيرا تجيء تلك اللمسة العجيبة ، الموحية المؤثرة العميقة . . أخيرا بعد ذكر العقاب المفزع ، والأجر العظيم . . لتشعر قلوب البشر أن اللّه في غنى عن عذاب العباد . فما به - سبحانه - من نقمة ذاتية عليهم يصب عليهم من أجلها العذاب . وما به - سبحانه - من حاجة لإظهار سلطانه وقوته عن هذا الطريق . وما به - سبحانه - من رغبة ذاتية في عذاب الناس . كما تحفل أساطير الوثنية كلها بمثل هذه التصورات . . وإنما هو صلاح العباد بالإيمان والشكر للّه . . مع تحبيبهم في الإيمان والشكر للّه . وهو الذي يشكر صالح العمل ويعلم خبايا النفوس :
« ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ - إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ؟ - وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً »
. .
نعم ! ما يفعل اللّه بعذابكم - إن شكرتم وآمنتم ؟ إن عذابه لجزاء على الجحود والكفران ؛ وتهديد لعله يقود إلى الشكر والإيمان . . إنها ليست شهوة التعذيب ، ولا رغبة التنكيل ؛ ولا التذاذ الآلام ، ولا إظهار البطش والسلطان . . تعالى اللّه عن ذلك كله علوا كبيرا . . فمتى اتقيتم بالشكر والإيمان ؛ فهنالك الغفران والرضوان .
وهناك شكر اللّه - سبحانه - لعبده . وعلمه - سبحانه - بعبده . .
وشكر اللّه - سبحانه - للعبد ، يلمس القلب لمسة رفيقة عميقة . . إنه معلوم أن الشكر من اللّه - سبحانه - معناه الرضى ، ومعناه ما يلازم الرضى من الثواب . . ولكن التعبير بأن اللّه - سبحانه - شاكر . . تعبير عميق الإيحاء ! وإذا كان الخالق المنشئ ، المنعم المتفضل ، الغني عن العالمين . . يشكر لعباده صلاحهم وإيمانهم وشكرهم وامتنانهم . . وهو غني عنهم وعن إيمانهم وعن شكرهم وامتنانهم . . إذا كان الخالق المنشئ ، المنعم المتفضل ، الغني عن العالمين يشكر . . فما ذا ينبغي للعباد المخلوقين المحدثين ؛ المغمورين بنعمة اللّه . . تجاه الخالق الرازق المنعم المتفضل الكريم ؟ ! ألا إنها اللمسة الرفيقة العميقة التي ينتفض لها القلب ويخجل ويستجيب .
ألا إنها الإشارة المنيرة إلى معالم الطريق . . الطريق إلى اللّه الواهب المنعم ، الشاكر العليم . .
وبعد . . فهذا جزء واحد ، من ثلاثين جزءا ، من هذا القرآن . . يضم جناحيه على مثل هذا الحشد العجيب من عمليات البناء والترميم ؛ والتنظيف والتقويم . وينشئ في عالم النفس ، وفي واقع المجتمع ، وفي نظام الحياة ، ذلك البناء الضخم المنسق العريض . ويعلن مولد الإنسان الجديد ؛ الذي لا تعرف له البشرية من قبل ولا من بعد مثيلا ولا شبيها ، في مثاليته وواقعيته . وفي نظافته وتطهره ، مع مزاولة نشاطه الإنساني في شتى الميادين . . هذا الإنسان الذي التقطه المنهج الرباني من سفح الجاهلية ، ودرج به في المرتقى الصاعد ، إلى القمة السامقة . في يسر . وفي رفق وفي لين . .