تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 782

مساهمون:

ص٧٨٢
وهكذا يتلوون كالديدان والثعابين . في قلوبهم السم . وعلى ألسنتهم الدهان ! ولكنهم بعد ضعاف ؛ صورتهم زرية شائهة تعافها نفوس المؤمنين . . وهذه إحدى لمسات المنهج لنفوس المؤمنين . ولما كانت الخطة التي اتبعها الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - بتوجيه ربه في مسألة المنافقين ، هي الإغضاء والإعراض ، وتحذير المؤمنين وتبصيرهم بأمرهم ؛ في الطريق إلى تصفية هذا المعسكر اللعين ! فإنه يكلهم هنا إلى حكم اللّه في الآخرة ؛ حيث يكشف الستار عنهم ، وينالهم جزاء ما يكيدون للمسلمين :
« فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ »
. . حيث لا مجال للكيد والتآمر والتبييت ؛ ولا مجال لإخفاء مكنونات الصدور . ويطمئن الذين آمنوا بوعد من اللّه قاطع ؛ أن هذا الكيد الخفي الماكر ، وهذا التآمر مع الكافرين ، لن يغير ميزان الأمور ؛ ولن يجعل الغلبة والقهر للكافرين على المؤمنين :
« وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا »
. . وفي تفسير هذه الآية وردت رواية أن المقصود بهذا النص يوم القيامة . حيث يحكم اللّه بين المؤمنين والمنافقين فلا يكون هناك للكافرين على المؤمنين سبيل . كما وردت رواية أخرى بأن المقصود هو الأمر في الدنيا بأن لا يسلط اللّه الكافرين على المسلمين تسليط استئصال . وإن غلب المسلمون في بعض المعارك وفي بعض الأحايين . وإطلاق النص في الدنيا والآخرة أقرب ، لأنه ليس فيه تحديد . والأمر بالنسبة للآخرة لا يحتاج إلى بيان أو توكيد . . أما بالنسبة للدنيا ، فإن الظواهر أحيانا قد توحي بغير هذا . ولكنها ظواهر خادعة تحتاج إلى تمعن وتدقيق : إنه وعد من اللّه قاطع . وحكم من اللّه جامع : أنه متى استقرت حقيقة الإيمان في نفوس المؤمنين ؛ وتمثلت في واقع حياتهم منهجا للحياة ، ونظاما للحكم ، وتجردا للّه في كل خاطرة وحركة ، وعبادة للّه في الصغيرة والكبيرة . . فلن يجعل اللّه للكافرين على المؤمنين سبيلا . . وهذه حقيقة لا يحفظ التاريخ الإسلامي كله واقعة واحدة تخالفها ! وأنا أقرر في ثقة بوعد اللّه لا يخالجها شك ، أن الهزيمة لا تلحق بالمؤمنين ، ولم تلحق بهم في تاريخهم كله ، إلا وهناك ثغرة في حقيقة الإيمان . إما في الشعور وإما في العمل - ومن الإيمان أخذ العدة وإعداد القوة في كل حين بنية الجهاد في سبيل اللّه وتحت هذه الراية وحدها مجردة من كل إضافة ومن كل شائبة - وبقدر هذه الثغرة تكون الهزيمة الوقتية ؛ ثم يعود النصر للمؤمنين - حين يوجدون ! ففي « أحد » مثلا كانت الثغرة في ترك طاعة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وفي الطمع في الغنيمة . وفي « حنين » كانت الثغرة في الاعتزاز بالكثرة والإعجاب بها ونسيان السند الأصيل ! ولو ذهبنا نتتبع كل مرة تخلف فيها النصر عن المسلمين في تاريخهم لوجدنا شيئا من هذا . . نعرفه أو لا نعرفه . . أما وعد اللّه فهو حق في كل حين . نعم . إن المحنة قد تكون للابتلاء . . ولكن الابتلاء إنما يجيء لحكمة ، هي استكمال حقيقة الإيمان ، ومقتضياته من الأعمال - كما وقع في أحد وقصه اللّه على المسلمين « 1 » - فمتى اكتملت تلك الحقيقة بالابتلاء والنجاح فيه ،
هامش
( 1 ) تراجع غزوة أحد في سورة آل عمران في الجزء الرابع من الظلال من ص 457 - ص 533 من هذه الطبعة . « دار الشروق » .