تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 780

مساهمون:

ص٧٨٠
عندهم ، ويبيتون معهم للجماعة المسلمة شتى المكائد . واللّه - جل جلاله - يسأل في استنكار : لم يتخذون الكافرين أولياء وهم يزعمون الإيمان ؟ لم يضعون أنفسهم هذا الموضع ، ويتخذون لأنفسهم هذا الموقف ؟ أهم يطلبون العزة والقوة عند الكافرين ؟ لقد استأثر اللّه - عزّ وجل - بالعزة ؛ فلا يجدها إلا من يتولاه ؛ ويطلبها عنده ؛ ويرتكن إلى حماه . وهكذا تكشف اللمسة الأولى عن طبيعة المنافقين ، وصفتهم الأولى ، وهي ولاية الكافرين دون المؤمنين ، كما تكشف عن سوء تصورهم لحقيقة القوى ؛ وعن تجرد الكافرين من العزة والقوة التي يطلبها عندهم أولئك المنافقون . وتقرر أن العزة للّه وحده ؛ فهي تطلب عنده وإلا فلا عزة ولا قوة عند الآخرين ! ألا إنه لسند واحد للنفس البشرية تجد عنده العزة ، فإن ارتكنت إليه استعلت على من دونه . وألا إنها لعبودية واحدة ترفع النفس البشرية وتحررها . . العبودية للّه . . فإن لا تطمئن إليها النفس استعبدت لقيم شتى ؛ وأشخاص شتى ؛ واعتبارات شتى ، ومخاوف شتى . ولم يعصمها شيء من العبودية لكل أحد ولكل شيء ولكل اعتبار . . وإنه إما عبودية للّه كلها استعلاء وعزة وانطلاق . وإما عبودية لعباد اللّه كلها استخذاء وذلة وأغلال . . ولمن شاء أن يختار . . وما يستعز المؤمن بغير اللّه وهو مؤمن . وما يطلب العزة والنصرة والقوة عند أعداء اللّه وهو يؤمن باللّه . وما أحوج ناسا ممن يدعون الإسلام ؛ ويتسمون بأسماء المسلمين ، وهم يستعينون بأعدى أعداء اللّه في الأرض ، أن يتدبروا هذا القرآن . . إن كانت بهم رغبة في أن يكونوا مسلمين . . وإلا فإن اللّه غني عن العالمين ! ومما يلحق بطلب العزة عند الكفار وولايتهم من دون المؤمنين : الاعتزاز بالآباء والأجداد الذين ماتوا على الكفر ؛ واعتبار أن بينهم وبين الجيل المسلم نسبا وقرابة ! كما يعتز ناس بالفراعنة والأشوريين والفينيقيين والبابليين وعرب الجاهلية اعتزازا جاهليا ، وحمية جاهلية . . روى الإمام أحمد : حدثنا حسين بن محمد ، حدثنا أبو بكر بن عباس . عن حميد الكندي عن عبادة ابن نسي ، عن أبي ريحانة : أن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « من انتسب إلى تسعة آباء كفار ، يريد بهم عزا وفخرا ، فهو عاشرهم في النار » . . ذلك أن آصرة التجمع في الإسلام هي العقيدة . وأن الأمة في الإسلام هي المؤمنون باللّه منذ فجر التاريخ . في كل أرض ، وفي كل جيل . وليست الأمة مجموعة الأجيال من القدم ، ولا المتجمعين في حيز من الأرض في جيل من الأجيال . وأولى مراتب النفاق أن يجلس المؤمن مجلسا يسمع فيه آيات اللّه يكفر بها ويستهزأ بها ، فيسكت ويتغاضى . . يسمي ذلك تسامحا ، أو يسميه دهاء ، أو يسميه سعة صدر وأفق وإيمانا بحرية الرأي ! ! ! وهي هي الهزيمة الداخلية تدب في أوصاله ؛ وهو يموه على نفسه في أول الطريق ، حياء منه أن تأخذه نفسه متلبسا بالضعف والهوان ! إن الحمية للّه ، ولدين اللّه ، ولآيات اللّه . هي آية الإيمان . وما تفتر هذه الحمية إلا وينهار بعدها كل سد ؛ وينزاح بعدها كل حاجز ، وينجرف الحطام الواهي عند دفعة التيار . وإن الحمية لتكبت في أول الأمر عمدا . ثم تهمد . ثم تخمد . ثم تموت !