تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 753

مساهمون:

ص٧٥٣
وكان هنالك سبب آخر ؛ وهو أن الأمر في الأنصار . الأنصار الذين آووا ونصروا . والذين قد يوجد هذا الحادث بين بعض بيوتهم ما يوجد من الضغائن . بينما أن اتجاه الاتهام إلى يهودي ، يبعد شبح الشقاق ! وكان هنالك سبب ثالث . هو عدم إعطاء اليهود سهما جديدا يوجهونه إلى الأنصار . وهو أن بعضهم يسرق بعضا ، ثم يتهمون اليهود ! وهم لا يدعون هذه الفرصة تفلت للتشهير بها والتغرير ! ولكن الأمر كان أكبر من هذا كله . كان أكبر من كل هذه الاعتبارات الصغيرة . الصغيرة في حساب الإسلام . كان أمر تربية هذه الجماعة الجديدة لتنهض بتكاليفها في خلافة الأرض وفي قيادة البشرية . وهي لا تقوم بالخلافة في الأرض ولا تنهض بقيادة البشرية حتى يتضح لها منهج فريد متفوق على كل ما تعرف البشرية ؛ وحتى يثبت هذا المنهج في حياتها الواقعية . وحتى يمحص كيانها تمحيصا شديدا ؛ وتنفض عنه كل خبيئة من ضعف البشر ومن رواسب الجاهلية . وحتى يقام فيها ميزان العدل - لتحكم به بين الناس - مجردا من جميع الاعتبارات الأرضية ، والمصالح القريبة الظاهرة ، والملابسات التي يراها الناس شيئا كبيرا لا يقدرون على تجاهله ! واختار اللّه - سبحانه - هذا الحادث بذاته ، في ميقاته . . مع يهودي . . من يهود التي يذوق منها المسلمون الأمرين إذ ذاك في المدينة ؛ والتي تؤلب عليهم المشركين ، وتؤيد بينهم المنافقين ، وترصد كل ما في جعبتها من مكر وتجربة وعلم لهذا الدين ! وفي فترة حرجة من حياة المسلمين في المدينة ، والعداوات تحيط بهم من كل جانب . ووراء كل هذه العداوات يهود ! اختار اللّه هذا الحادث في هذا الظرف ، ليقول فيه - سبحانه - للجماعة المسلمة ما أراد أن يقول ، وليعلمها به ما يريد لها أن تتعلم ! ومن ثم لم يكن هناك مجال للباقة ! ولا للكياسة ! ولا للسياسة ! ولا للمهارة في إخفاء ما يحرج ، وتغطية ما يسوء ! ولم يكن هناك مجال لمصلحة الجماعة المسلمة الظاهرية ! ومراعاة الظروف الوقتية المحيطة بها ! هنا كان الأمر جدا خالصا ، لا يحتمل الدهان ولا التمويه ! وكان هذا الجد هو أمر هذا المنهج الرباني وأصوله . وأمر هذه الأمة التي تعد لتنهض بهذا المنهج وتنشره . وأمر العدل بين الناس . العدل في هذا المستوي الذي لا يرتفع إليه الناس - بل لا يعرفه الناس - إلا بوحي من اللّه ، وعون من اللّه . وينظر الإنسان من هذه القمة السامقة على السفوح الهابطة - في جميع الأمم على مدار الزمان - فيراها هنالك . . هنالك في السفوح . . ويرى بين تلك القمة السامقة والسفوح الهابطة صخورا متردية ، هنا وهناك ، من الدهاء ، والمراء ، والسياسة ، والكياسة ، والبراعة ، والمهارة ، ومصلحة الدولة ، ومصلحة الوطن ، ومصلحة الجماعة . . إلى آخر الأسماء والعنوانات . . فإذا دقق الإنسان فيها النظر رأى من تحتها . . الدود . . ! ! وينظر الإنسان مرة أخرى فيرى نماذج الأمة المسلمة - وحدها - صاعدة من السفح إلى القمة . . تتناثر على مدار التاريخ ، وهي تتطلع إلى القمة ، التي وجهها إليها المنهج الفريد . أما العفن الذي يسمونه « العدالة » في أمم الجاهلية الغابرة والحاضرة ، فلا يستحق أن نرفع عنه الغطاء ، في مثل هذا الجو النظيف الكريم . . * * * والآن نواجه نصوص الدرس بالتفصيل :
في ظلال القرآن — صفحة 753 | سيد قطب