هما حمل يحمل . على طريقة التجسيم التي تبرز المعنى وتؤكده في التعبير القرآني المصور « 1 » .
وبهذه القواعد الثلاث يرسم القرآن ميزان العدالة الذي يحاسب كل فرد على ما اجترح . ولا يدع المجرم يمضي ناجيا إذا ألقى جرمه على سواه . . وفي الوقت ذاته يفتح باب التوبة والمغفرة على مصراعيه ؛ ويضرب موعدا مع اللّه - سبحانه - في كل لحظة للتائبين المستغفرين ، الذين يطرقون الأبواب في كل حين . بل يلجونها بلا استئذان فيجدون الرحمة والغفران ! * * * وأخيرا يمن اللّه على رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - أن عصمه من الانسياق وراء المتآمرين المبيتين ؛ فأطلعه على مؤامراتهم التي يستخفون بها من الناس ولا يستخفون بها من اللّه - وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول - ثم يمتن عليه المنة الكبرى في إنزال الكتاب والحكمة وتعليمه ما لم يكن يعلم . . وهي المنة على البشرية كلها ، ممثلة ابتداء في شخص أكرمها على اللّه وأقربها للّه :
« وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ . وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ . وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ . وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ . وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ . وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً »
.
إن هذه المحاولة ليست إلا واحدة من محاولات كثيرة ، شتى الألوان والأنواع ؛ مما بذله أعداء هذا الرسول الكريم ليضلوه عن الحق والعدل والصواب . ولكن اللّه - سبحانه - كان يتولاه بفضله ورحمته في كل مرة .
وكان الكائدون المتآمرون هم الذين يضلون ويقعون في الضلالة . . وسيرة رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - حافلة بتلك المحاولات ؛ ونجاته وهدايته ؛ وضلال المتآمرين وخيبتهم .
واللّه - سبحانه - يمتن عليه بفضله ورحمته هذه ؛ ويطمئنه في الوقت ذاته أنهم لا يضرونه شيئا . بفضل من اللّه ورحمة .
وبمناسبة المنة في حفظه من هذه المؤامرة الأخيرة ؛ وصيانة أحكامه من أن تتعرض لظلم بريء وتبرئة جارم ، وكشف الحقيقة له وتعريفه بالمؤامرة . . تجيء المنة الكبرى . . منة الرسالة :
« وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ . وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً »
.
وهي منة اللّه على « الإنسان » في هذه الأرض . المنة التي ولد الإنسان معها ميلادا جديدا . ونشأ بها « الإنسان » كما نشأ أول مرة بنفخة الروح الأولى . .
المنة التي التقطت البشرية من سفح الجاهلية ، لترقى بها في الطريق الصاعد ، إلى القمة السامقة . عن طريق المنهج الرباني الفريد العجيب . .
المنة التي لا يعرف قدرها إلا الذي عرف الإسلام وعرف الجاهلية - جاهلية الغابر والحاضر - وذاق الإسلام وذاق الجاهلية . .
وإذا كانت منة يذكر اللّه بها رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - فلأنه هو أول من عرفها وذاقها . وأكبر من عرفها وذاقها . وأعرف من عرفها وذاقها . .
« وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ . وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً »
.
هامش
( 1 ) يراجع كتاب : « التصوير الفني في القرآن » . « دار الشروق » .