تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 751

مساهمون:

ص٧٥١
هذه الآيات تحكي قصة لا تعرف لها الأرض نظيرا ، ولا تعرف لها البشرية شبيها . . وتشهد - وحدها - بأن هذا القرآن وهذا الدين لا بد أن يكون من عند اللّه ؛ لأن البشر - مهما ارتفع تصورهم ، ومهما صفت أرواحهم ، ومهما استقامت طبائعهم - لا يمكن أن يرتفعوا - بأنفسهم - إلى هذا المستوي الذي تشير إليه هذه الآيات ؛ إلا بوحي من اللّه . . هذا المستوي الذي يرسم خطا على الأفق لم تصعد إليه البشرية - إلا في ظل هذا المنهج - ولا تملك الصعود إليه أبدا إلا في ظل هذا المنهج كذلك ! إنه في الوقت الذي كان اليهود في المدينة يطلقون كل سهامهم المسمومة ، التي تحويها جعبتهم اللئيمة ، على الإسلام والمسلمين ؛ والتي حكت هذه السورة وسورة البقرة وسورة آل عمران جانبا منها ومن فعلها في الصف المسلم . . في الوقت الذي كانوا فيه ينشرون الأكاذيب ؛ ويؤلبون المشركين ؛ ويشجعون المنافقين ، ويرسمون لهم الطريق ؛ ويطلقون الإشاعات ؛ ويضللون العقول ؛ ويطعنون في القيادة النبوية ، ويشككون في الوحي والرسالة ؛ ويحاولون تفسيخ المجتمع المسلم من الداخل ، في الوقت الذي يؤلبون عليه خصومه ليهاجموه من الخارج . . والإسلام ناشئ في المدينة ، ورواسب الجاهلية ما يزال لها آثارها في النفوس ؛ ووشائج القربى والمصلحة بين بعض المسلمين وبعض المشركين والمنافقين واليهود أنفسهم ، تمثل خطرا حقيقا على تماسك الصف المسلم وتناسقه . . في هذا الوقت الحرج ، الخطر ، الشديد الخطورة . . كانت هذه الآيات كلها تتنزل ، على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وعلى الجماعة المسلمة ، لتنصف رجلا يهوديا ، اتهم ظلما بسرقة ؛ ولتدين الذين تآمروا على اتهامه ، وهم بيت من الأنصار في المدينة . والأنصار يومئذ هم عدة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وجنده ، في مقاومة هذا الكيد الناصب من حوله ، ومن حول الرسالة والدين والعقيدة الجديدة . . . ! أي مستوى هذا من النظافة والعدالة والتسامي ! ثم أي كلام يمكن أن يرتفع ليصف هذا المستوي ؟ وكل كلام ، وكل تعليق ، وكل تعقيب ، يتهاوى دون هذه القمة السامقة ؛ التي لا يبلغها البشر وحدهم . بل لا يعرفها البشر وحدهم . إلا أن يقادوا بمنهج اللّه ، إلى هذا الأفق العلوي الكريم الوضيء ؟ ! والقصة التي رويت من عدة مصادر في سبب نزول هذه الآيات أن نفرا من الأنصار - قتادة بن النعمان وعمه رفاعة - غزوا مع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في بعض غزواته . فسرقت درع لأحدهم ( رفاعة ) . فحامت الشبهة حول رجل من الأنصار من أهل بيت يقال لهم : بنو أبيرق . فأتى صاحب الدرع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فقال : إن طعمة بن أبيرق سرق درعي . ( وفي رواية : إنه بشير بن أبيرق . . وفي هذه الرواية : أن بشيرا هذا كان منافقا يقول الشعر في ذم الصحابة وينسبه لبعض العرب ! ) فلما رأى السارق ذلك عمد إلى الدرع فألقاها في بيت رجل يهودي ( اسمه زيد بن السمين ) . وقال لنفر من عشيرته : إني غيبت الدرع ، وألقيتها في بيت فلان . وستوجد عنده . فانطلقوا إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فقالوا : يا نبي
في ظلال القرآن — صفحة 751 | سيد قطب