تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 740

مساهمون:

ص٧٤٠
وعدد الخيوط التي يشدها في هذه النفس ، فتصوت كلها وتستجيب ! لقد كان التفوق في منهج التربية ، والتفوق في التنظيم الاجتماعي الذي قام عليه ؛ هو الأمر البارز الظاهر فيما بين المجتمع المسلم وسائر المجتمعات حوله من فروق . . ولقد كان هذا التفوق البارز هو كذلك أوضح الأسباب - التي يراها البشر - لتمكن هذا المجتمع الناشئ الشاب - بكل ما كان في حياته من ملابسات ومن ضعف أحيانا وتقصير - من طي تلك المجتمعات الأخرى ، والغلبة عليها . لا غلبة معركة بالسلاح فحسب ؛ ولكن غلبة حضارة فتية على حضارات شاخت . غلبة منهج على مناهج ، ونموذج من الحياة على نماذج ؛ ومولد عصر جديد على مولد إنسان جديد . . ونكتفي بهذا القدر حتى نواجه النصوص بالتفصيل : * * *
« لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ - غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ - وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ . فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً ، وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى . وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً . دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً . وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً »
. . إن هذا النص القرآني كان يواجه حالة خاصة في المجتمع المسلم وما حوله ؛ وكان يعالج حالة خاصة في هذا المجتمع من التراخي - من بعض عناصره - في النهوض بتكاليف الجهاد بالأموال والأنفس . سواء كان المقصود أولئك الذين تخلفوا عن الهجرة احتفاظا بأموالهم ، إذ لم يكن المشركون يسمحون لمهاجر أن يحمل معه شيئا من ماله ؛ أو توفيرا لعناء الهجرة وما فيها من مخاطر ، إذ لم يكن المشركون يتركون المسلمين يهاجرون ، وكثيرا ما كانوا يحبسونهم ويؤذونهم - أو يزيدون في إيذائهم بتعبير أدق - إذا عرفوا منهم نية الهجرة . . سواء كان المقصود هم أولئك الذين تخلفوا عن الهجرة - وهو ما نرجحه - أو كان المقصود بعض المسلمين في دار الإسلام ، الذين لم ينشطوا للجهاد بالأموال والأنفس - من غير المنافقين المبطئين الذين ورد ذكرهم في درس سابق - أو كان المقصود هؤلاء وهؤلاء ممن لم ينشطوا للجهاد بالأموال والأنفس في دار الحرب ودار الإسلام سواء . إن هذا النص كان يواجه هذه الحالة الخاصة ؛ ولكن التعبير القرآني يقرر قاعدة عامة ؛ يطلقها من قيود الزمان ، وملابسات البيئة ؛ ويجعلها هي القاعدة التي ينظر اللّه بها إلى المؤمنين في كل زمان وفي كل مكان - قاعدة عدم الاستواء بين القاعدين من المؤمنين عن الجهاد بالأموال والأنفس - غير أولي الضرر الذين يقعدهم العجز عن الجهاد بالنفس ، أو يقعدهم الفقر والعجز عن الجهاد بالنفس والمال - عدم الاستواء بين هؤلاء القاعدين والآخرين الذين يجاهدون بأموالهم وأنفسهم . . قاعدة عامة على الإطلاق :
« لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ - غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ - وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ »
. . ولا يتركها هكذا مبهمة ، بل يوضحها ويقررها ، ويبين طبيعة عدم الاستواء بين الفريقين :
« فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً »
. . وهذه الدرجة يمثلها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في مقامهم في الجنة . في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ، أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « إن في الجنة مائة درجة أعدها اللّه للمجاهدين في سبيله . وما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض » . . وقال الأعمش عن عمرو بن مرة ، عن أبي عبيدة ، عن عبد اللّه بن مسعود قال : قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « من رمى بسهم فله أجره درجة » . . فقال رجل : يا رسول اللّه ، وما الدرجة ؟ فقال :
في ظلال القرآن — صفحة 740 | سيد قطب