تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 742

مساهمون:

ص٧٤٢
أهله - اقتباسا مما حولهم - أنه لا بد لهم من قوة قاهرة لحفظ التوازن ! هذه المقررات تشهد - على الأقل - بقلة ملابسة طبيعة الإسلام الأصيلة لنفوس هؤلاء القائلين بهذه التكهنات والظنون . لو كان الجهاد ملابسة طارئة في حياة الأمة المسلمة ما استغرق كل هذه الفصول من صلب كتاب اللّه ؛ في مثل هذا الأسلوب ! ولما استغرق كذلك كل هذه الفصول من سنة رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وفي مثل هذا الأسلوب . . لو كان الجهاد ملابسة طارئة ما قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - تلك الكلمة الشاملة لكل مسلم إلى قيام الساعة : « من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق » « 1 » . ولئن كان - صلى اللّه عليه وسلم - رد في حالات فردية بعض المجاهدين ، لظروف عائلية لهم خاصة ، كالذي جاء في الصحيح أن رجلا قال للنبي - صلى اللّه عليه وسلم - أجاهد . قال : « لك أبوان ؟ » قال : نعم . قال ، « ففيهما جاهد » . . لئن كان ذلك فإنما هي حالة فردية لا تنقض القاعدة العامة ؛ وفرد واحد لا ينقص المجاهدين الكثيرين . ولعله - صلى اللّه عليه وسلم - على عادته في معرفة كل ظروف جنوده فردا فردا ، كان يعلم من حال هذا الرجل وأبويه ، ما جعله يوجهه هذا التوجيه . . فلا يقولن أحد - بسبب ذلك - إنما كان الجهاد ملابسة طارئة بسبب ظروف . وقد تغيرت هذه الظروف ! وليس ذلك لأن الإسلام يجب أن يشهر سيفه ويمشي به في الطريق يقطع به الرؤوس ! ولكن لأن واقع حياة الناس وطبيعة طريق الدعوة تلزمه أن يمسك بهذا السيف ويأخذ حذره في كل حين ! إن اللّه - سبحانه - يعلم أن هذا أمر تكرهه الملوك ! ويعلم أن لا بد لأصحاب السلطان أن يقاوموه . لأنه طريق غير طريقهم ، ومنهج غير منهجهم . ليس بالأمس فقط . ولكن اليوم وغدا . وفي كل أرض ، وفي كل جيل ! وإن اللّه - سبحانه - يعلم أن الشر متبجح ، ولا يمكن أن يكون منصفا . ولا يمكن أن يدع الخير ينمو - مهما يسلك هذا الخير من طرق سلمية موادعة ! - فإن مجرد نمو الخير يحمل الخطورة على الشر . ومجرد وجود الحق يحمل الخطر على الباطل . ولا بد أن يجنح الشر إلى العدوان ؛ ولا بد أن يدافع الباطل عن نفسه بمحاولة قتل الحق وخنقه بالقوة ! هذه جبلة ! وليست ملابسة وقتية . . . هذه فطرة ! وليست حالة طارئة . . . ومن ثم لا بد من الجهاد . . لا بد منه في كل صورة . . ولا بد أن يبدأ في عالم الضمير . ثم يظهر فيشمل عالم الحقيقة والواقع والشهود . ولا بد من مواجهة الشر المسلح بالخير المسلح . ولا بد من لقاء الباطل المتترس بالعدد بالحق المتوشح بالعدة . . وإلا كان الأمر انتحارا . أو كان هزلا لا يليق بالمؤمنين ! ولا بد من بذل الأموال والأنفس . كما طلب اللّه من المؤمنين . وكما اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة . . فأما أن يقدر لهم الغلب ؛ أو يقدر لهم الاستشهاد ؛ فذلك شأنه - سبحانه - وذلك قدره المصحوب بحكمته . . أما هم فلهم إحدى الحسنيين عند ربهم . . والناس كلهم يموتون عندما يحين الأجل . . والشهداء وحدهم
هامش
( 1 ) أخرجه صاحب مصابيح السنة في الصحاح .