الرسالات ؛ ولا غريبة من الغرائب ، التي لا عهد للأرض بها ؛ أو لا عهد بها لبني إسرائيل أنفسهم . إنما هي حلقة من سلسلة الحجة التي يأخذها اللّه على العباد قبل الحساب . فقد أوحى إليه كما أوحى إلى الرسل من قبله .
وقد آتاه اللّه النبوة والحكم ، كما آتى أنبياء بني إسرائيل ! فلا غرابة في رسالته ، ولا غرابة في قيادته ، ولا غرابة في حاكميته . وكلها مألوف في عالم الرسالات . وكل تعلات بني إسرائيل في هذا الأمر كاذبة ، وكل شبهاتهم كذلك باطلة . ولهم سوابق مثلها مع نبيهم الأكبر موسى عليه السلام ، ومع أنبيائهم من بعده ، وبخاصة مع عيسى عليه السلام ، ومن ثم لا يجوز أن يلقي باله إليها أحد من المسلمين .
وتتولى آيات كثيرة في السورة بيان هذه الحقيقة . نقتطف بعضها في هذا المجمل ؛ حتى تجيء كلها مشروحة في مكانها من السياق :
« إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ . وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ ، وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً . وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ ، وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ، وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً . رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ، لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ، وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً . لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ ، أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ . وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ . وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً »
. . ( 163 - 166 ) . .
« يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ ، فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا : أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً »
. .
« فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ ، وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ »
. .
« وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً . وَقَوْلِهِمْ : إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ - رَسُولَ اللَّهِ - وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ . . »
( 153 - 157 ) .
« أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ؟ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ ، وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً . فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ . . »
. . ( 54 - 55 ) . .
* * * وكما تتولى السورة نصيبها من تنظيم المجتمع المسلم وتطهيره من رواسب الجاهلية ؛ وبيان معنى الدين ، وحد الإيمان ، وشرط الإسلام ؛ وترتب على هذا البيان مقتضياته من المبادئ والتوجيهات التي أسلفنا بيانها بصفة عامة ؛ وتتولى دفع شبهات اليهود وكيدهم - وبخاصة فيما يتعلق بصحة الرسالة - فهي كذلك تتولى بيان بعض مقومات التصور الإسلامي الأساسية ، وتجلو عنها الغبش . وتبين ما في عقيدة أهل الكتاب - من النصارى - من غلو ، بعد دفع المقولات اليهودية الكاذبة عن عيسى عليه السلام وأمه الطاهرة ، وتقرر وحدة الألوهية وحقيقة العبودية ، وتبين حقيقة قدر اللّه وعلاقته بخلقه ، وحقيقة الأجل وعلاقته بقدر اللّه ، وحدود ما يغفره اللّه من الذنوب ، وحدود التوبة وحقيقتها ، وقواعد العمل والجزاء . . . إلى آخر هذه المقومات الاعتقادية الأصيلة .
وذلك في مثل هذه النصوص :
« إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ . فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً . وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ ، حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ : إِنِّي تُبْتُ الْآنَ ! وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ . أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً »
. . ( 17 - 18 ) .
« يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ، وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ، وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ، وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً . يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ، وَخُلِقَ الْإِنْسانُ