تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 547

مساهمون:

ص٥٤٧
الطويل ، الخاشع الواجف الراجف المنيب ، ذي النغم العذب ، والإيقاع المنساب ، والحرارة البادية في المقاطع والأنغام ! ولا بد من وقفة أمام الرجفة الأولى وهم يتجهون إلى ربهم ليقيهم عذاب النار . . لا بد من وقفة أمام قولهم :
« رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ »
. .
« وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ »
. . إنها تشي بأن خوفهم من النار ، إنما هو خوف - قبل كل شيء - من الخزي الذي يصيب أهل النار . وهذه الرجفة التي تصيبهم هي أولا رجفة الحياء من الخزي الذي ينال أهل النار . فهي ارتجافة باعثها الأكبر الحياء من اللّه ، فهم أشد حساسية به من لذع النار ! كما أنها تشي بشعور القوي بأنه لا ناصر من اللّه ، وأن الظالمين ما لهم من أنصار . . 193 - ثم نمضي مع الدعاء الخاشع الطويل :
« رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ : أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ . فَآمَنَّا . رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا ، وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ »
. . فهي قلوب مفتوحة ؛ ما إن تتلقى حتى تستجيب . وحتى تستيقظ فيها الحساسية الشديدة ، فتبحث أول ما تبحث عن تقصيرها وذنوبها ومعصيتها ، فتتجه إلى ربها تطلب مغفرة الذنوب وتكفير السيئات ، والوفاة مع الأبرار . ويتسق ظل هذه الفقرة في الدعاء مع ظلال السورة كلها ، في الاتجاه إلى الاستغفار والتطهر من الذنب والمعصية ، في المعركة الشاملة مع شهوات النفس ومع الذنب والخطيئة . المعركة التي يتوقف على الانتصار فيها ابتداء كل انتصار في معارك الميدان ، مع أعداء اللّه وأعداء الإيمان . . والسورة كلها وحدة متكاملة متناسقة الإيقاعات والظلال . 194 - وختام هذا الدعاء . توجه ورجاء . واعتماد واستمداد من الثقة بوفاء اللّه بالميعاد :
« رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ، وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ ، إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ »
. . فهو استنجاز لوعد اللّه ، الذي بلغته الرسل ، وثقة بوعد اللّه الذي لا يخلف الميعاد ، ورجاء في الإعفاء من الخزي يوم القيامة ، يتصل بالرجفة الأولى في هذا الدعاء ، ويدل على شدة الخوف من هذا الخزي ، وشدة تذكره واستحضاره في مطلع الدعاء وفي ختامه . مما يشي بحساسية هذه القلوب ورقتها وشفافيتها وتقواها وحيائها من اللّه . والدعاء في مجموعه يمثل الاستجابة الصادقة العميقة ، لإيحاء هذا الكون وإيقاع الحق الكامن فيه ، في القلوب السليمة المفتوحة . . ولا بد من وقفة أخرى أمام هذا الدعاء ، من جانب الجمال الفني والتناسق في الأداء . . إن كل سورة من سور القرآن تغلب فيها قافية معينة لآياتها - والقوافي في القرآن غيرها في الشعر ، فهي ليست حرفا متحدا ، ولكنها إيقاع متشابه - مثل :
« بَصِيرٌ *
.
حَكِيمٌ *
.
مُبِينٌ *
.
مُرِيبٍ » *
. .
« الْأَلْبابِ *
،
الْأَبْصارِ *
.
النَّارَ *
.
قَرارٍ » *
. .
« خَفِيًّا
.
شَقِيًّا *
.
شَرْقِيًّا
.
شَيْئاً » *
. . إلخ . وتغلب القافية الأولى في مواضع التقرير . والثانية في مواضع الدعاء . والثالثة في مواضع الحكاية . وسورة آل عمران تغلب فيها القافية الأولى . ولم تبعد عنها إلا في موضعين : أولهما في أوائل السورة وفيه