يلي هذه الحقيقة في سياق الدرس استجابة اللّه
« لِأُولِي الْأَلْبابِ »
وقد توجهوا إليه سبحانه بدعاء خاشع منيب ، وهم يتدبرون كتاب الكون المفتوح ، ويتأملون ما ينطق به من الآيات ، وما يوحي به من الغايات . . استجابته لهم استجابة توجيهية إلى العمل والجهاد والتضحية والصبر ، والنهوض بتكاليف هذا الإيمان ، الذي ثابوا به من جولتهم الخاشعة في كتاب الكون المفتوح . . مع التهوين من شأن الذين كفروا وما قد يستمتعون به من أعراض هذه الحياة . وإبراز القيم الباقية في الجزاء الأخروي ، التي ينبغي أن يحفل بها المؤمنون الأبرار .
وعطفا على الحديث الطويل في السورة عن أهل الكتاب ومواقفهم من المؤمنين ، يرد هنا في هذا القطاع الأخير ذكر الفريق المؤمن ، وجزاؤه المناسب ، ويبرز من صفاتهم صفة الخشوع ، التي تتناسق مع مشهد أولي الألباب أمام كتاب الكون المفتوح ، ودعائهم الخاشع المنيب . وصفة الحياء من اللّه أن يشتروا بآياته ثمنا قليلا ، كأولئك الذين كفروا من أهل الكتاب ، وتقدم وصفهم في السورة .
ثم تجيء الآية الخاتمة تلخص التوجيهات الإلهية للجماعة المسلمة ، وتمثل خصائصها المطلوبة ، وتكاليفها المحددة ، والتي بها يكون الفلاح :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا ، وَصابِرُوا ، وَرابِطُوا ، وَاتَّقُوا اللَّهَ ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ »
. .
وهو ختام يناسب محور السورة الأصيل ، وموضوعاتها الرئيسية ، ويتسق معها كل الاتساق .
* * * 190 -
« إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ، لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ . الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ ، وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ : رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا . سُبْحانَكَ ! فَقِنا عَذابَ النَّارِ . رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ، وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ . رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ : أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ . فَآمَنَّا . رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا ، وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا ، وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ . رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ، وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ ، إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ . . . »
. .
ما الآيات التي في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ؟ ما الآيات التي تتراءى لأولي الألباب عندما يتفكرون في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ، وهم يذكرون اللّه قياما وقعودا وعلى جنوبهم ؟ وما علاقة التفكر في هذه الآيات بذكرهم اللّه قياما وقعودا وعلى جنوبهم ؟ وكيف ينتهون من التفكر فيها إلى هذا الدعاء الخاشع الواجف :
« رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ ! فَقِنا عَذابَ النَّارِ »
. .
إلى نهاية ذلك الدعاء ؟
إن التعبير يرسم هنا صورة حية من الاستقبال السليم للمؤثرات الكونية في الإدراك السليم . وصورة حية من الاستجابة السليمة لهذه المؤثرات المعروضة للأنظار والأفكار في صميم الكون ، بالليل والنهار .
والقرآن يوجه القلوب والأنظار توجيها مكررا مؤكدا إلى هذا الكتاب المفتوح ؛ الذي لا تفتأ صفحاته تقلب ، فتتبدى في كل صفحة آية موحية ، تستجيش في الفطرة السليمة إحساسا بالحق المستقر في صفحات هذا الكتاب ، وفي « تصميم » هذا البناء ، ورغبة في الاستجابة لخالق هذا الخلق ، ومودعه هذا الحق ، مع الحب له والخشية منه في ذات الأوان ! ! ! وأولو الألباب . . أولو الإدراك الصحيح . . يفتحون بصائرهم لاستقبال آيات اللّه الكونية ؛ ولا يقيمون الحواجز ، ولا يغلقون المنافذ بينهم وبين هذه الآيات . ويتوجهون إلى اللّه بقلوبهم قياما وقعودا وعلى جنوبهم ، فتتفتح بصائرهم ، وتشف مداركهم ، وتتصل بحقيقة الكون التي أودعها اللّه