تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 550

مساهمون:

ص٥٥٠
198 - وفي مقابل المتاع القليل الذاهب جنات . وخلود . وتكريم من اللّه :
« جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ »
. .
« خالِدِينَ فِيها »
. .
« نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ »
. .
« وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ »
. . وما يشك أحد يضع ذلك النصيب في كفة ، وهذا النصيب في كفة ، أن ما عند اللّه خير للأبرار . وما تبقى في القلب شبهة في أن كفة الذين اتقوا أرجح من كفة الذين كفروا في هذا الميزان . وما يتردد ذو عقل في اختيار النصيب الذي يختاره لأنفسهم أولو الألباب ! إن اللّه - سبحانه - في موضع التربية ، وفي مجال إقرار القيم الأساسية في التصور الإسلامي لا يعد المؤمنين هنا بالنصر ، ولا يعدهم بقهر الأعداء ، ولا يعدهم بالتمكين في الأرض ، ولا يعدهم شيئا من الأشياء في هذه الحياة . . مما يعدهم به في مواضع أخرى ، ومما يكتبه على نفسه لأوليائه في صراعهم مع أعدائه . إنه يعدهم هنا شيئا واحدا . هو
« ما عِنْدَ اللَّهِ »
. فهذا هو الأصل في هذه الدعوة . وهذه هي نقطة الانطلاق في هذه العقيدة : التجرد المطلق من كل هدف ومن كل غاية ، ومن كل مطمع - حتى رغبة المؤمن في غلبة عقيدته وانتصار كلمة اللّه وقهر أعداء اللّه - حتى هذه الرغبة يريد اللّه أن يتجرد منها المؤمنون ، ويكلوا أمرها إليه ، وتتخلص قلوبهم من أن تكون هذه شهوة لها ولو كانت لا تخصها ! هذه العقيدة : عطاء ووفاء وأداء . . فقط . وبلا مقابل من أعراض هذه الأرض ، وبلا مقابل كذلك من نصر وغلبة وتمكين واستعلاء . . ثم انتظار كل شيء هناك ! ثم يقع النصر ، ويقع التمكين ، ويقع الاستعلاء . . ولكن هذا ليس داخلا في البيعة . ليس جزءا من الصفقة . ليس في الصفقة مقابل في هذه الدنيا . وليس فيها إلا الأداء والوفاء والعطاء . . والابتلاء . . على هذا كانت البيعة والدعوة مطاردة في مكة ؛ وعلى هذا كان البيع والشراء . ولم يمنح اللّه المسلمين النصر والتمكين والاستعلاء ؛ ولم يسلمهم مقاليد الأرض وقيادة البشرية ، إلا حين تجردوا هذا التجرد ، ووفوا هذا الوفاء : قال محمد بن كعب القرظي وغيره : قال عبد اللّه بن رواحة - رضي اللّه عنه - لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يعني ليلة العقبة ( ونقباء الأوس والخزرج يبايعونه - صلى اللّه عليه وسلم - على الهجرة إليهم ) : اشترط لربك ولنفسك ما شئت . فقال : « أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا . وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم » . قال : فما لنا إذا فعلنا ذلك ؟ قال : « الجنة » . . قالوا : ربح البيع . ولا نقيل ولا نستقيل » . . هكذا . . « الجنة » . . والجنة فقط ! لم يقل : النصر والعز والوحدة . والقوة . والتمكين . والقيادة . والمال . والرخاء - مما منحهم اللّه وأجراه على أيديهم - فذلك كله خارج عن الصفقة ! وهكذا . . ربح البيع ولا نقيل ولا نستقيل . . لقد أخذوها صفقة بين متبايعين ؛ أنهي أمرها ، وأمضي عقدها . ولم تعد هناك مساومة حولها ! وهكذا ربى اللّه الجماعة التي قدر أن يضع في يدها مقاليد الأرض ، وزمام القيادة ، وسلمها الأمانة الكبرى بعد أن تجردت من كل أطماعها ، وكل رغباتها ، وكل شهواتها ، حتى ما يختص منها بالدعوة التي تحملها ، والمنهج الذي تحققه ، والعقيدة التي تموت من أجلها . فما يصلح لحمل هذه الأمانة الكبرى من بقي له أرب
في ظلال القرآن — صفحة 550 | سيد قطب