تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 543

مساهمون:

ص٥٤٣
هذا هو الدرس الأخير في السورة التي ضمت ذلك الحشد الضخم الذي استعرضناه : من مقوّمات التصور الإسلامي . وتقرير هذه المقوّمات وتجليتها من الغبش واللبس في الجدل مع أهل الكتاب ، ثم في الجدل مع المنافقين والمشركين . وبيان طبيعة هذا المنهج الإلهي وتكاليفه في الأنفس والأموال . وتعليم الجماعة المسلمة كيف تنهض بهذه التكاليف ، وكيف تستقبل الابتلاء بالسراء والضراء ، وكيف تتجرد لهذه العقيدة وتكاليفها الضخمة في الأنفس والأموال . . إلى آخر ما ضمه سياق السورة ، واستعرضناه في الجزأين الثالث والرابع من هذه الظلال . . فالآن يجيء هذا الإيقاع الأخير في السورة - أو هذه الإيقاعات الأخيرة - متناسقة في موضوعها وفي أسلوبها مع ذلك الحشد من الإيقاعات من ناحية الموضوع ومن ناحية الأداء تجيء بحقيقة عميقة : إن هذا الكون بذاته كتاب مفتوح ، يحمل بذاته دلائل الإيمان وآياته ؛ ويشي وراءه من يد تدبره بحكمة ؛ ويوحي بأن وراء هذه الحياة الدنيا آخرة ، وحسابا وجزاء . . إنما يدرك هذه الدلائل ، ويقرأ هذه الآيات ، ويرى هذه الحكمة ، ويسمع هذه الإيحاءات « أولو الألباب » من الناس ، الذين لا يمرون بهذا الكتاب المفتوح ، وبهذه الآيات الباهرة مغمضي الأعين غير واعين ! وهذه الحقيقة تمثل أحد مقومات التصور الإسلامي عن هذا « الكون » والصلة الوثيقة بينه وبين فطرة « الإنسان » والتفاهم الداخلي الوثيق بين فطرة الكون وفطرة الإنسان ؛ ودلالة هذا الكون بذاته على خالقه من جهة ؛ وعلى الناموس الذي يصرّفه وما يصاحبه من « غاية » و « حكمة » و « قصد » من جهة أخرى . . وهي ذات أهمية بالغة في تقرير موقف « الإنسان » من « الكون » و « إله » الكون سبحانه وتعالى . فهي ركيزة من ركائز التصور الإسلامي للوجود « 1 » .
هامش
( 1 ) خصائص التصور الإسلامي ومقوماته « فكرة الإسلام عن اللّه والكون والحياة والإنسان » . « دار الشروق » .
في ظلال القرآن — صفحة 543 | سيد قطب