تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 514

مساهمون:

ص٥١٤
أصابوا مثليها : أصابوا مثلها يوم بدر فقتلوا سبعين من صناديد قريش . وأصابوا مثلها يوم أحد في مطلع المعركة ، حينما كانوا مستقيمين على أمر اللّه وأمر رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - وقبل أن يضعفوا أمام إغراء الغنائم . وقبل أن تهجس في أنفسهم الخواطر التي لا ينبغي أن تهجس في ضمائر المؤمنين ! ويذكرهم اللّه هذا كله ، وهو يرد على دهشتهم المتسائلة ، فيرجع ما حدث لهم إلى سببه المباشر القريب :
« قُلْ : هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ »
. . أنفسكم هي التي تخلخلت وفشلت وتنازعت في الأمر . وأنفسكم هي التي أخلت بشرط اللّه وشرط رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - وأنفسكم هي التي خالجتها الأطماع والهواجس . وأنفسكم هي التي عصت أمر رسول اللّه وخطته للمعركة . . فهذا الذي تستنكرون أن يقع لكم ، وتقولون : كيف هذا ؟ هو من عند أنفسكم ، بانطباق سنة اللّه عليكم ، حين عرّضتم أنفسكم لها . فالإنسان حين يعرّض نفسه لسنة اللّه لا بد أن تنطبق عليه ، مسلما كان أو مشركا ، ولا تنخرق محاباة له ، فمن كمال إسلامه أن يوافق نفسه على مقتضى سنة اللّه ابتداء !
« إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »
. . ومن مقتضى قدرته أن تنفذ سنته ، وأن يحكم ناموسه ، وأن تمضي الأمور وفق حكمه وإرادته ، وألا تتعطل سننه التي أقام عليها الكون والحياة والأحداث . 166 - ومع هذا فقد كان قدر اللّه من وراء الأمر كله لحكمة يراها . وقدر اللّه دائما من وراء كل أمر يحدث ، ومن وراء كل حركة وكل نأمة ، وكل انبثاقة في هذا الكون كله :
« وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ . . . »
. . لم يقع مصادفة ولا جزافا ، ولم يقع عبثا ولا سدى . فكل حركة محسوب حسابها في تصميم هذا الكون ؛ ومقدر لها علتها ونتائجها ؛ وهي في مجموعها - ومع جريانها وفق السنن والقوانين الثابتة التي لا تنخرق ولا تتعطل ولا تحابي - تحقق الحكمة الكامنة وراءها ؛ وتكمل « التصميم » النهائي للكون في مجموعه ! إن التصور الإسلامي يبلغ من الشمول والتوازن في هذه القضية ، ما لا يبلغه أي تصور آخر في تاريخ البشرية . . هنالك ناموس ثابت وسنن حتمية . . وهناك وراء الناموس الثابت والسنن الحتمية إرادة فاعلة ومشيئة طليقة . وهناك وراء الناموس والسنن والإرادة والمشيئة حكمة مدبرة يجري كل شيء في نطاقها . . والناموس يتحكم والسنن تجري في كل شيء - ومن بينها الإنسان - والإنسان يتعرض لهذه السنن بحركاته الإرادية المختارة ، وبفعله الذي ينشئه حسب تفكيره وتدبيره ، فتنطبق عليه ، وتؤثر فيه . . ولكن هذا كله يقع موافقا لقدر اللّه ومشيئته ؛ ويحقق في الوقت ذاته حكمته وتقديره . . وإرادة الإنسان وتفكيره وحركته وفاعليته هي جزء من سنن اللّه وناموسه يفعل بها ما يفعل ، ويحقق بها ما يحقق في نطاق قدره وتدبيره . فليس شيء منها خارجا على السنن والناموس . ولا مقابلا لها ومناهضا لفعلها ، كما يتصور الذين يضعون إرادة اللّه وقدره في كفة ، ويضعون إرادة الإنسان وفاعليته في الكفة المقابلة . . كلا . ليس الأمر هكذا في التصور الإسلامي . . فالإنسان ليس ندا للّه ، ولا عدوا له كذلك . واللّه - سبحانه - حين وهب الإنسان كينونته وفكره وإرادته وتقديره وتدبيره وفاعليته في الأرض ، لم يجعل شيئا من هذا كله متعارضا مع سنته - سبحانه - ولا مناهضا لمشيئته ، ولا خارجا كذلك عن الحكمة الأخيرة وراء قدره في هذا الكون الكبير . . ولكن جعل من سنته وقدره أن يقدر الإنسان ويدبر ؛ وأن يتحرك ويؤثر ؛ وأن يتعرض لسنة اللّه فتنطبق عليه ؛ وأن يلقى جزاء هذا التعرض كاملا من لذة وألم ، وراحة وتعب ، وسعادة وشقاوة . . وأن يتحقق من وراء هذا التعرض ونتيجته ، قدر اللّه المحيط