35 - ومن هذا الإعلان التمهيدي ينتقل السياق مباشرة إلى آل عمران ومولد مريم :
« إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ : رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ : رَبِّ : إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ - وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى ، وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ ؛ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ . فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ ، وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً ، وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا . كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً . قالَ : يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا ؟ قالَتْ : هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ »
. .
وقصة النذر تكشف لنا عن قلب
« امْرَأَتُ عِمْرانَ »
- أم مريم - وما يعمره من إيمان ، ومن توجه إلى ربها بأعز ما تملك . وهو الجنين الذي تحمله في بطنها . خالصا لربها ، محررا من كل قيد ومن كل شرك ومن كل حق لأحد غير اللّه سبحانه . والتعبير عن الخلوص المطلق بأنه تحرر تعبير موح . فما يتحرر حقا إلا من يخلص للّه كله ، ويفر إلى اللّه بجملته وينجو من العبودية لكل أحد ولكل شيء ولكل قيمة ، فلا تكون عبوديته إلا للّه وحده . . فهذا هو التحرر إذن . . وما عداه عبودية وإن تراءت في صورة الحرية ! ومن هنا يبدو التوحيد هو الصورة المثلى للتحرر . فما يتحرر إنسان وهو يدين لأحد غير اللّه بشيء ما في ذات نفسه ، أو في ماجريات حياته ، أو في الأوضاع والقيم والقوانين والشرائع التي تصرف هذه الحياة . .
لا تحرر وفي قلب الإنسان تعلق أو تطلع أو عبودية لغير اللّه . وفي حياته شريعة أو قيم أو موازين مستمدة من غير اللّه . وحين جاء الإسلام بالتوحيد جاء بالصورة الوحيدة للتحرر في عالم الإنسان . .
وهذا الدعاء الخاشع من امرأة عمران ، بأن يتقبل ربها منها نذرها - وهو فلذة كبدها - ينم عن ذلك الإسلام الخالص للّه ، والتوجه إليه كلية ، والتحرر من كل قيد ، والتجرد إلا من ابتغاء قبوله ورضاه :
« رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي . إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ »
. .
36 - ولكنها وضعتها أنثى ؛ ولم تضعها ذكرا !
« فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ : رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ - وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى . وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ . وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ »
. .
لقد كانت تنتظر ولدا ذكرا ؛ فالنذر للمعابد لم يكن معروفا إلا للصبيان ، ليخدموا الهيكل ، وينقطعوا للعبادة والتبتل . ولكن ها هي ذي تجدها أنثى . فتتوجه إلى ربها في نغمة أسيفة :
« رَبِّ . إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى »
. .
« وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ »
. .
ولكنها هي تتجه إلى ربها بما وجدت ، وكأنها تعتذر أن لم يكن لها ولد ذكر ينهض بالمهمة .
« وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى »
. .
ولا تنهض الأنثى بما ينهض به الذكر في هذا المجال :
« وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ »
. .
وهذا الحديث على هذا النحو فيه شكل المناجاة القريبة . مناجاة من يشعر أنه منفرد بربه . يحدثه بما في نفسه ، وبما بين يديه ، ويقدم له ما يملك تقديما مباشرا لطيفا . وهي الحال التي يكون فيها هؤلاء العباد المختارون مع ربهم . حال الود والقرب والمباشرة ، والمناجاة البسيطة العبارة ، التي لا تكلف فيها ولا تعقيد . مناجاة من