تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١
بهذا ينتهي الجدل ؛ ويتبين ما ذا يريد الإسلام من الناس ، وما ذا يضع لحياتهم من أساس . ويحدد معنى الدين ومعنى الإسلام ؛ وتنتفي كل صورة مشوهة أو مدخولة يدعي لها أصحابها أنها دين . أو أنها إسلام . . وهذا هو الهدف النهائي للدرس الماضي ، وللسورة كلها كذلك ، تولاها القصص بالبيان والإيضاح في الصورة القصصية الجميلة الجذابة العميقة الإيحاء . . وهذه وظيفة القصص القرآني وطبيعته التي تحكم أسلوبه وطريقة عرضه في شتى السور على نهج خاص . وقد عرضت قصة عيسى في سورة مريم ، وعرضت هنا . وبمراجعة النصوص هنا وهناك تبدو زيادة بعض الحلقات هنا ، مع اختصار في بعض الحلقات . . فقد كان هناك تفصيل مطول في سورة مريم لحلقة مولد عيسى . ولم تكن هناك حلقة مولد مريم . وهنا تفصيل في رسالة عيسى والحواريين واختصار في قصة مولده كما أن التعقيب هنا أطول لأنه جاء بصدد مناظرات حول قضية أشمل ، وهي قضية التوحيد والدين والوحي والرسالة ، مما لم يكن موجودا في سورة مريم . . مما يكشف عن طبيعة الأسلوب القرآني في عرض القصص ، مساوقا لجو السورة التي يعرض فيها ، ولمناسبته فيها « 1 » . والآن نأخذ في استعراض النصوص تفصيلا . * * * 33 - 34 - يبدأ هذا القصص ببيان من اصطفاهم اللّه من عباده واختارهم لحمل الرسالة الواحدة بالدين الواحد منذ بدء الخليقة ، ليكونوا طلائع الموكب الإيماني في شتى مراحله المتصلة على مدار الأجيال والقرون . فيقرر أنهم ذرية بعضها من بعض . وليس من الضروري أن تكون ذرية النسب - وإن كان نسب الجميع يلتقي في آدم ونوح - فهي أولا رابطة الاصطفاء والاختيار الإلهي ؛ ونسب هذه العقيدة الموصول في ذلك الموكب الإيماني الكريم :
« إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً ، وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ . عَلَى الْعالَمِينَ . ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ »
. . ولقد ذكر السياق آدم ونوحا فردين ؛ وذكر آل إبراهيم وآل عمران أسرتين . إشارة إلى أن آدم بشخصه ونوحا بشخصه هما اللذان وقع عليهما الاصطفاء . فأما إبراهيم وعمران فقد كان الاصطفاء لهما ولذريتهما كذلك - على القاعدة التي تقررت في سورة البقرة عن آل إبراهيم : قاعدة أن وراثة النبوة والبركة في بيته ليست وراثة الدم ، إنما هي وراثة العقيدة :
« وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ : إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً . قالَ : وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ؟ قالَ : لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ »
« 2 » . . وبعض الروايات تذكر أن عمران من آل إبراهيم . فذكر آل عمران إذن تخصيص لهذا الفرع لمناسبة خاصة ، هي عرض قصة مريم وقصة عيسى عليه السلام . . كذلك نلاحظ أن السياق لم يذكر من آل إبراهيم لا موسى ولا يعقوب ( وهو إسرائيل ) كما ذكر آل عمران . . ذلك أن السياق هنا يستطرد إلى الجدل حول عيسى بن مريم وحول إبراهيم - كما سيأتي في الدرس التالي - فلم تكن هناك مناسبة لذكر موسى في هذا المقام أو ذكر يعقوب . .
هامش
( 1 ) يراجع فصل : « القصة في القرآن » في كتاب : التصوير الفني في القرآن » « دار الشروق » . ( 2 ) الجزء الأول ص 112 - 113 .