تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢
« إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً ، وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ »
. . والأموال والأولاد مظنة حماية ووقاية ؛ ولكنهما لا يغنيان شيئا في ذلك اليوم الذي لا ريب فيه ، لأنه لا إخلاف لميعاد اللّه . وهم فيه :
« وَقُودُ النَّارِ »
. . بهذا التعبير الذي يسلبهم كل خصائص « الإنسان » ومميزاته ، ويصورهم في صورة الحطب والخشب وسائر
« وَقُودُ النَّارِ »
. . 11 - لا بل إن الأموال والأولاد ، ومعهما الجاه والسلطان ، لا تغني شيئا في الدنيا :
« كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا ، فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ، وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ »
. . وهو مثل مضى في التاريخ مكرورا ، وقصة اللّه في هذا الكتاب تفصيلا : وهو يمثل سنة اللّه في المكذبين بآياته ، يجريها حيث يشاء . فلا أمان إذن ولا ضمان لمكذب بآيات اللّه . 12 - وإذن فالذين كفروا وكذبوا بدعوة محمد - صلى اللّه عليه وسلم - وآيات الكتاب الذي نزله عليه بالحق ، معرضون لهذا المصير في الدنيا والآخرة سواء . . ومن ثم يلقن الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - أن ينذرهم هذا المصير في الدارين ، وأن يضرب لهم المثل بيوم بدر القريب ، فلعلهم نسوا مثل فرعون والذين من قبله في التكذيب والأخذ الشديد :
« قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا : سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ . قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا : فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ ، يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ . وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ . إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ »
. . 13 - وقوله تعالى :
« يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ »
يحتمل تفسيرين : فإما أن يكون ضمير « يرون » راجعا إلى الكفار ، وضمير « هم » راجعا إلى المسلمين ، ويكون المعنى أن الكفار على كثرتهم كانوا يرون المسلمين القليلين
« مِثْلَيْهِمْ »
. . وكان هذا من تدبير اللّه حيث خيل للمشركين أن المسلمين كثرة وهم قلة ، فتزلزلت قلوبهم وأقدامهم . وإما أن يكون العكس ، ويكون المعنى أن المسلمين كانوا يرون المشركين
« مِثْلَيْهِمْ »
هم - في حين أن المشركين كانوا ثلاثة أمثالهم - ومع هذا ثبتوا وانتصروا . والمهم هو رجع النصر إلى تأييد اللّه وتدبيره . . وفي هذا تخذيل للذين كفروا وتهديد . كما أن فيه تثبيتا للذين آمنوا وتهوينا من شأن أعدائهم فلا يرهبونهم . . وكان الموقف - كما ذكرنا في التمهيد للسورة - يقتضي هذا وذاك . . وكان القرآن يعمل هنا وهناك . . وما يزال القرآن يعمل بحقيقته الكبيرة . وبما يتضمنه من مثل هذه الحقيقة . . إن وعد اللّه بهزيمة الذين يكفرون ويكذبون وينحرفون عن منهج اللّه ، قائم في كل لحظة . ووعد اللّه بنصر الفئة المؤمنة - ولو قل عددها - قائم كذلك في كل لحظة . وتوقف النصر على تأييد اللّه الذي يعطيه من يشاء حقيقة قائمة لم تنسخ ، وسنة ماضية لم تتوقف . وليس على الفئة المؤمنة إلا أن تطمئن إلى هذه الحقيقة ؛ وتثق في ذلك الوعد ؛ وتأخذ للأمر عدته التي في طوقها كاملة ؛ وتصبر حتى يأذن اللّه ؛ ولا تستعجل ولا تقنط إذا طال عليها الأمد المغيب في علم اللّه ، المدبر بحكمته ، المؤجل لموعده الذي يحقق هذه الحكمة .
« إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ »
. .