تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
أجله بصفتها تلك ؛ ويناديها ذلك النداء الموحي العميق . . وبمناسبة الاختلاف بعد الرسل والاقتتال ، والكفر بعد مجيء البينات والإيمان . . بهذه المناسبة تجيء آية تتضمن قواعد التصور الإيماني ، وتذكر من صفات اللّه سبحانه ما يقرر معنى الوحدانية في أدق مجالاته ، وأوضح سماته . وهي آية جليلة الشأن ، عميقة الدلالة ، واسعة المجال :
« اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ . لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ . لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ . مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ؟ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ ، وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ . وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ، وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما . وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ »
. . وكل صفة من هذه الصفات تتضمن قاعدة من قواعد التصور الإسلامي الكلية . ومع أن القرآن المكي في عمومه كان يدور على بناء هذا التصور ، فإننا نلتقي في القرآن المدني كذلك في مناسبات شتى بهذا الموضوع الأصيل الهام . الذي يقوم على أساسه المنهج الإسلامي كله ، ولا يستقيم هذا المنهج في الحس إلا أن يستقيم ذلك الأساس ، ويتضح ، ويتحول إلى حقائق مسلمة في النفس ، ترتكن إلى الوضوح واليقين . ولقد تحدثت فيما سبق عند تفسير سورة الفاتحة في أول الجزء الأول من هذه الطبعة من الظلال ، عن الأهمية البالغة لوضوح صفة اللّه - سبحانه - في الضمير الإنساني . بما أن الركام الذي كان يرين على هذا الضمير من تصورات الجاهلية كان معظمه ناشئا من غموض هذه الحقيقة ، ومن غلبة الخرافة والأسطورة عليها ؛ ومن الغبش التي يغشيها حتى في فلسفة أكبر الفلاسفة . . حتى جاء الإسلام فجلاها هذا الجلاء ، وأنقذ الضمير البشري من ذلك الركام الثقيل ، ومن ذلك الضلال والخبط في الظلماء « 1 » ! وكل صفة من هذه الصفات التي تضمنتها هذه الآية تمثل قاعدة يقوم عليها التصور الإسلامي الناصع ، كما يقوم عليها المنهج الإسلامي الواضح .
« اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ »
. . فهذه الوحدانية الحاسمة التي لا مجال فيها لأي انحراف أو لبس مما طرأ على الديانات السابقة - بعد الرسل - كعقيدة التثليث المبتدعة من المجامع الكنسية بعد عيسى - عليه السلام - ولا لأي غبش مما كان يرين على العقائد الوثنية التي تميل إلى التوحيد ، ولكنها تلبسه بالأساطير ، كعقيدة قدماء المصريين - في وقت من الأوقات - بوحدانية اللّه ، ثم تلبيس هذه الوحدانية بتمثل الإله في قرص الشمس ! ووجود آلهة صغيرة خاضعة له ! هذه الوحدانية الحاسمة الناصعة هي القاعدة التي يقوم عليها التصور الإسلامي ؛ والتي ينبثق منها منهج الإسلام للحياة كلها . فعن هذا التصور ينشأ الاتجاه إلى اللّه وحده بالعبودية والعبادة . فلا يكون إنسان عبدا إلا للّه ، ولا يتجه بالعبادة إلا للّه ، ولا يلتزم بطاعة إلا طاعة اللّه ، وما يأمره اللّه به من الطاعات . وعن هذا التصور تنشأ قاعدة : الحاكمية للّه وحده . فيكون اللّه وحده هو المشرع للعباد ؛ ويجيء تشريع البشر مستمدا من شريعة اللّه . وعن هذا التصور تنشأ قاعدة استمداد القيم كلها من اللّه ؛ فلا اعتبار لقيمة من قيم الحياة كلها إذا لم تقبل في ميزان اللّه ، ولا شرعية لوضع أو تقليد أو تنظيم يخالف عن منهج اللّه . . وهكذا إلى آخر
هامش
( 1 ) تراجع صفحات 22 - 24 من الجزء الأول من الظلال - « دار الشروق » .
في ظلال القرآن — صفحة 286 | سيد قطب