تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
ذكرها مفصلة في مواضعها المناسبة من القرآن . تصديقا لرسالته في مواجهة بني إسرائيل المعاندين ! ولم يذكر النص هنا محمدا - صلى اللّه عليه وسلم - لأن الخطاب موجه إليه . كما جاء في الآية السابقة في السياق :
« تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ تِلْكَ الرُّسُلُ
. . إلخ » . فالسياق سياق إخبار له عن غيره من الرسل . وحين ننظر إلى مقامات الرسل - صلوات اللّه وسلامه عليهم - من أية ناحية نجد محمدا - صلى اللّه عليه وسلم - في القمة العليا . وسواء نظرنا إلى الأمر من ناحية شمول الرسالة وكليتها ، أو من ناحية محيطها وامتدادها ، فإن النتيجة لا تتغير . . إن الإسلام هو أكمل تصور لحقيقة الوحدة - وهي أضخم الحقائق على الإطلاق - وحدة الخالق الذي ليس كمثله شيء . ووحدة الإرادة التي يصدر عنها الوجود كله بكلمة : « كن » . ووحدة الوجود الصادر عن تلك الإرادة . ووحدة الناموس الذي يحكم هذا الوجود . ووحدة الحياة من الخلية الساذجة إلى الإنسان الناطق . ووحدة البشرية من آدم - عليه السلام - إلى آخر أبنائه في الأرض . ووحدة الدين الصادر من اللّه الواحد إلى البشرية الواحدة . ووحدة جماعة الرسل المبلغة لهذه الدعوة . ووحدة الأمة المؤمنة التي لبت هذه الدعوة . ووحدة النشاط البشري المتجه إلى اللّه وإعطائه كله اسم « العبادة » . ووحدة الدنيا والآخرة داري العمل والجزاء . ووحدة المنهج الذي شرعه اللّه للناس فلا يقبل منهم سواه . ووحدة المصدر الذي يتلقون عنه تصوراتهم كلها ومنهجهم في الحياة . . . ومحمد - صلى اللّه عليه وسلم - هو الذي أطاقت روحه التجاوب المطلق مع حقيقة الوحدة الكبرى ؛ كما أطاق عقله تصور هذه الوحدة وتمثلها ؛ كما أطاق كيانه تمثيل هذه الوحدة في حياته الواقعة المعروضة للناس . كذلك هو الرسول الذي أرسل إلى البشر كافة ، من يوم مبعثه إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها ؛ والذي اعتمدت رسالته على الإدراك الإنساني الواعي دون ضغط حتى من معجزة مادية قاهرة ، ليعلن بذلك عهد الرشد الإنساني . ومن ثم كان هو خاتم الرسل . وكانت رسالته خاتمة الرسالات . ومن ثم انقطع الوحي بعده ؛ وارتسمت للبشرية في رسالته تلك الوحدة الكبرى ؛ وأعلن المنهج الواسع الشامل الذي يسع نشاط البشرية المقبل في إطاره ؛ ولم تعد إلا التفصيلات والتفسيرات التي يستقل بها العقل البشري - في حدود المنهج الرباني - ولا تستدعي رسالة إلهية جديدة . وقد علم اللّه - سبحانه - وهو الذي خلق البشر ؛ وهو الذي يعلم ما هم ومن هم ؛ ويعلم ما كان من أمرهم وما هو كائن . . قد علم اللّه - سبحانه - أن هذه الرسالة الأخيرة ، وما ينبثق عنها من منهج للحياة شامل ، هي خير ما يكفل للحياة النمو والتجدد والانطلاق . فأيما إنسان زعم لنفسه أنه أعلم من اللّه بمصلحة عباده ؛ أو زعم أن هذا المنهج الرباني لم يعد يصلح للحياة المتجددة النامية في الأرض ؛ أو زعم أنه يملك ابتداع منهج أمثل من المنهج الذي أراده اللّه . . أيما إنسان زعم واحدة من هذه الدعاوى أو زعمها جميعا فقد كفر كفرا صراحا لا مراء فيه ؛ وأراد لنفسه وللبشرية شر ما يريده إنسان بنفسه وبالبشرية ؛ واختار لنفسه موقف العداء الصريح للّه ، والعداء الصريح للبشرية التي رحمها اللّه بهذه الرسالة ، وأراد لها الخير بالمنهج الرباني المنبثق منها