تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
ليحكم الحياة البشرية إلى آخر الزمان . وبعد فقد اقتتل أتباع
« تِلْكَ الرُّسُلُ »
. ولم تغن وحدة جماعة الرسل في طبيعتهم ، ووحدة الرسالة التي جاءوا بها كلهم . . لم تغن هذه الوحدة عن اختلاف أتباع الرسل حتى ليقتتلون من خلاف :
« وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ - مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ - وَلكِنِ اخْتَلَفُوا : فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ . وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا . وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ »
. . إن هذا الاقتتال لم يقع مخالفا لمشيئة اللّه . فما يمكن أن يقع في هذا الكون ما يخالف مشيئته - سبحانه - فمن مشيئته أن يكون هذا الكائن البشري كما هو . بتكوينه هذا واستعداداته للهدى وللضلال . وأن يكون موكولا إلى نفسه في اختيار طريقه إلى الهدى أو إلى الضلال . ومن ثم فكل ما ينشأ عن هذا التكوين وإفرازاته واتجاهاته داخل في اطار المشيئة ؛ وواقع وفق هذه المشيئة . كذلك فإن اختلاف الاستعدادات بين فرد وفرد من هذا الجنس سنة من سنن الخالق ، لتنويع الخلق - مع وحدة الأصل والنشأة - لتقابل هذه الاستعدادات المختلفة وظائف الخلافة المختلفة المتعددة المتنوعة . وما كان اللّه ليجعل الناس جميعا نسخا مكررة كأنما طبعت على ورق « الكربون » . . على حين أن الوظائف اللازمة للخلافة في الأرض وتنمية الحياة وتطويرها منوعة متباينة متعددة . . أما وقد مضت مشيئة اللّه بتنويع الوظائف فقد مضت كذلك بتنويع الاستعدادات . ليكون الاختلاف فيها وسيلة للتكامل . وكلف كل إنسان أن يتحرى لنفسه الهدى والرشاد والإيمان . وفيه الاستعداد الكامن لهذا ، وأمامه دلائل الهدى في الكون ، وعنده هدى الرسالات والرسل على مدار الزمان . وفي نطاق الهدى والإيمان يمكن أن يظل التنوع الخير الذي لا يحشر نماذج الناس كلهم في قالب جامد !
« وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ »
. . وحين يصل الاختلاف إلى هذا المدى ، فيكون اختلاف كفر وإيمان ، يتعين القتال . يتعين لدفع الناس بعضهم ببعض . دفع الكفر بالإيمان . والضلال بالهدى ، والشر بالخير . فالأرض لا تصلح بالكفر والضلال والشر . ولا يكفي أن يقول قوم : إنهم أتباع أنبياء إذا وصل الاختلاف بينهم إلى حد الكفر والإيمان . وهذه هي الحالة التي كانت تواجهها الجماعة المسلمة في المدينة يوم نزل هذا النص . . كان المشركون في مكة يزعمون أنهم على ملة إبراهيم ! وكان اليهود في المدينة يزعمون أنهم على دين موسى . كما كان النصارى يزعمون أنهم على دين عيسى . . ولكن كل فرقة من هؤلاء كانت قد بعدت بعدا كبيرا عن أصل دينها ، وعن رسالة نبيها . وانحرفت إلى المدى الذي ينطبق عليه وصف الكفر . وكان المسلمون عند نزول هذا النص يقاتلون المشركين من العرب . كما كانوا على وشك أن يوجهوا إلى قتال الكفار من أهل الكتاب . ومن ثم جاء هذا النص يقرر أن الاقتتال بين المختلفين على العقيدة إلى هذا الحد ، هو من مشيئة اللّه وبإذنه :
« وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا »
. . ولكنه شاء . شاء ليدفع الكفر بالإيمان ؛ وليقر في الأرض حقيقة العقيدة الصحيحة الواحدة التي جاء بها الرسل جميعا ، فانحرف عنها المنحرفون . وقد علم اللّه أن الضلال لا يقف سلبيا جامدا ، إنما هو ذو طبيعة شريرة . فلا بد أن يعتدي ، ولا بد أن يحاول إضلال المهتدين ، ولا بد أن يريد العوج ويحارب الاستقامة .