كذلك أبيحت الرغبة المكنونة التي لا يصرح بها لا تصريحا ولا تلميحا . لأن اللّه يعلم أن هذه الرغبة لا سلطان لإرادة البشر عليها :
« عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ »
. .
وقد أباحها اللّه لأنها تتعلق بميل فطري ، حلال في أصله ، مباح في ذاته ، والملابسات وحدها هي التي تدعو إلى تأجيل اتخاذ الخطوة العملية فيه . والإسلام يلحظ ألا يحطم الميول الفطرية إنما يهذبها ، ولا يكبت النوازع البشرية إنما يضبطها . ومن ثم ينهى فقط عما يخالف نظافة الشعور ، وطهارة الضمير :
« وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا »
. .
لا جناح في أن تعرضوا بالخطبة ، أو أن تكنوا في أنفسكم الرغبة ، ولكن المحظور هو المواعدة سرا على الزواج قبل انقضاء العدة . ففي هذا مجانبة لأدب النفس ، ومخالسة لذكرى الزوج ، وقلة استحياء من اللّه الذي جعل العدة فاصلا بين عهدين من الحياة .
« إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً »
. .
لا نكر فيه ولا فحش ، ولا مخالفة لحدود اللّه التي بينها في هذا الموقف الدقيق :
« وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ »
. .
ولم يقل : ولا تعقدوا النكاح . . إنما قال :
« وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ »
. . زيادة في التحرج . . فالعزيمة التي تنشئ العقدة هي المنهي عنها . . وذلك من نحو قوله تعالى :
« تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها »
. . توحي بمعنى في غاية اللطف والدقة .
« وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ »
. .
وهنا يربط بين التشريع وخشية اللّه المطلع على السرائر . فللهواجس المستكنة وللمشاعر المكنونة هنا قيمتها في العلاقات بين رجل وامرأة . تلك العلاقات الشديدة الحساسية ، العالقة بالقلوب ، الغائرة في الضمائر .
وخشية اللّه ، والحذر مما يحيك في الصدور أن يطلع عليه اللّه هي الضمانة الأخيرة ، مع التشريع ، لتنفيذ التشريع .
فإذا هز الضمير البشري هزة الخوف والحذر ، فصحا وارتعش رعشة التقوى والتحرج ، عاد فسكب فيه الطمأنينة للّه ، والثقة بعفو اللّه ، وحلمه وغفرانه :
« وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ »
. .
غفور يغفر خطيئة القلب الشاعر باللّه ، الحذر من مكنونات القلوب . حليم لا يعجل بالعقوبة فلعل عبده الخاطئ أن يتوب .
236 - ثم يجيء حكم المطلقة قبل الدخول . وهي حالة جديدة غير حالات الطلاق بالمدخول بهن التي استوفاها من قبل . وهي حالة كثيرة الوقوع . فيبين ما على الزوجين فيها وما لهما :
« لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً . وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ . وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ . إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ . وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى . وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ