بَيْنَكُمْ . إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ »
. .
والحالة الأولى : هي حالة المطلقة قبل الدخول ، ولم يكن قد فرض لها مهر معلوم . والمهر فريضة ، فالواجب في هذه الحالة على الزوج المطلق أن يمتعها . أي أن يمنحها عطية حسبما يستطيع . ولهذا العمل قيمته النفسية بجانب كونه نوعا من التعويض . . إن انفصام هذه العقدة من قبل ابتدائها ينشئ جفوة ممضة في نفس المرأة ، ويجعل الفراق طعنة عداء وخصومة . ولكن التمتيع يذهب بهذا الجو المكفهر ، وينسم فيه نسمات من الود والمعذرة ؛ ويخلع على الطلاق جو الأسف والأسى . فهي محاولة فاشلة إذن وليست ضربة مسددة ! ولهذا يوصي أن يكون المتاع بالمعروف استبقاء للمودة الإنسانية ، واحتفاظا بالذكرى الكريمة . وفي الوقت نفسه لا يكلف الزوج ما لا يطيق ، فعلى الغني بقدر غناه ، وعلى الفقير في حدود ما يستطيع :
« عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ »
. .
ويلوّح بالمعروف والإحسان فيندّي بهما جفاف القلوب واكفهرار الجو المحيط :
« مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ »
. .
237 - والحالة الثانية : أن يكون قد فرض مهرا معلوما . وفي هذه الحالة يجب نصف المهر المعلوم . هذا هو القانون . ولكن القرآن يدع الأمر بعد ذلك للسماحة والفضل واليسر . فللزوجة - ولوليها إن كانت صغيرة - أن تعفو وتترك ما يفرضه القانون . والتنازل في هذه الحالة هو تنازل الإنسان الراضي القادر العفوّ السمح .
الذي يعف عن مال رجل قد انفصمت منه عروته . ومع هذا فإن القرآن يظل يلاحق هذه القلوب كي تصفو وترف وتخلو من كل شائبة :
« وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى . وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ . إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ »
. .
يلاحقها باستجاشة شعور التقوى . ويلاحقها باستجاشة شعور السماحة والتفضل . ويلاحقها باستجاشة شعور مراقبة اللّه . . ليسود التجمل والتفضل جو هذه العلاقة ناجحة كانت أم خائبة . ولتبقى القلوب نقية خالصة صافية . موصولة باللّه في كل حال .
238 - وفي هذا الجو الذي يربط القلوب باللّه ، ويجعل الإحسان والمعروف في العشرة عبادة للّه ، يدس حديثا عن الصلاة - أكبر عبادات الإسلام - ولم ينته بعد من هذه الأحكام . وقد بقي منها حكم المتوفى عنها زوجها وحقها في وصية تسمح لها بالبقاء في بيته والعيش من ماله ، وحكم المتاع للمطلقات بصفة عامة - يدس الحديث عن الصلاة في هذا الجو ، فيوحي بأن الطاعة للّه في كل هذا عبادة كعبادة الصلاة ، ومن جنسها ، وهو إيحاء لطيف من إيحاءات القرآن . وهو يتسق مع التصور الإسلامي لغاية الوجود الإنساني في قوله تعالى :
« وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ »
. واعتبار العبادة غير مقصورة على الشعائر ، بل شاملة لكل نشاط ، الاتجاه فيه إلى اللّه ، والغاية منه طاعة اللّه :
« حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ . فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً . فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ »
. .
والأمر هنا بالمحافظة على الصلوات ، يعني إقامتها في أوقاتها ، وإقامتها صحيحة الأركان ، مستوفية الشرائط .
أما الصلاة الوسطى فلأرجح من مجموع الروايات أنها صلاة العصر لقوله - صلى اللّه عليه وسلم - يوم الأحزاب :