تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
232 - كذلك ينهاهم أن يعضلوا المطلقة - حين توفي العدة - ويمنعوها أن تتراجع مع زوجها إذا تراضيا بالمعروف :
« وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ »
. . وقد أورد الترمذي عن معقل بن يسار ، أنه زوج أخته رجلا من المسلمين على عهد رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فكانت عنده ما كانت . ثم طلقها تطليقة لم يراجعها ، حتى انقضت عدتها ؛ فهويها وهويته ؛ ثم خطبها مع الخطاب . فقال له : يا لكع ابن لكع ! أكرمتك بها وزوجتكها ، فطلقتها . واللّه لا ترجع إليك أبدا آخر ما عليك . قال : فعلم اللّه حاجته إليها وحاجتها إلى بعلها ، فأنزل اللّه :
« وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ »
إلى قوله :
« وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ »
. . فلما سمعها معقل قال : سمع لربي وطاعة . ثم دعاه ، فقال : أزوجك وأكرمك . . وهذه الاستجابة الحانية من اللّه - سبحانه - لحاجات القلوب التي علم من صدقها ما علم ، تكشف عن جانب من رحمة اللّه بعباده . . أما الآية بعمومها فيبدو فيها التيسير الذي أراده اللّه بالعباد ، والتربية التي أخذ بها المنهج القرآني الجماعة المسلمة ، والنعمة التي أفاضها عليها بهذا المنهج القويم ، الذي يواجه الواقع من حياة الناس في جميع الأحوال . وهنا كذلك يستجيش الوجدان والضمير بعد النهي والتحذير :
« ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ . ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ . وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ »
. . والإيمان باللّه واليوم الآخر هو الذي يجعل هذه الموعظة تبلغ إلى القلوب . حين تتعلق هذه القلوب بعالم أرحب من هذه الأرض ؛ وحين تتطلع إلى اللّه ورضاه فيما تأخذ وما تدع . . والشعور بأن اللّه يريد ما هو أزكى وما هو أطهر من شأنه أن يستحث المؤمن للاستجابة ، واغتنام الزكاة والطهر . لنفسه وللمجتمع من حوله . ولمس القلب بأن الذي يختار له هذا الطريق هو اللّه الذي يعلم ما لا يعلمه الناس من شأنه أن يسارع به إلى الاستجابة كذلك في رضى وفي استسلام . وهكذا يرفع الأمر كله إلى أفق العبادة ، ويعلقه بعروة اللّه ، ويطهره من شوائب الأرض ، وأدران الحياة ، وملابسات الشد والجذب التي تلازم جو الطلاق والفراق . . 233 - والحكم التالي يتعلق برضاع الأطفال بعد الطلاق . . إن دستور الأسرة لا بد أن يتضمن بيانا عن تلك العلاقة التي لا تنفصم بين الزوجين بعد الطلاق . علاقة النسل الذي ساهم كلاهما فيه ، وارتبط كلاهما به ؛ فإذا تعذرت الحياة بين الوالدين فإن الفراخ الزغب لا بد لها من ضمانات دقيقة مفصلة ، تستوفي كل حالة من الحالات :
« وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ . وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ . لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها . لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ . وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ . فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما . وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ - إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ - وَاتَّقُوا اللَّهَ ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ »
. . إن على الوالدة المطلقة واجبا تجاه طفلها الرضيع . واجبا يفرضه اللّه عليها ولا يتركها فيه لفطرتها وعاطفتها