باللّه . والإيمان باليوم الآخر . وتذكر نعمة اللّه في شتى صورها ابتداء من نعمة الإيمان - أرفع النعم - إلى نعمة الصحة والرزق ، واستحضار تقوى اللّه والرجاء في العوض منه عن الزوجية الفاشلة والنفقة الضائعة . .
وهذا العنصر الذي تستحضره الآيتان اللتان تتحدثان هنا عن إيثار المعروف والجميل والحسنى ، سواء اتصلت حبال الحياة الزوجية أو انفصمت عراها .
ولقد كانت المرأة في الجاهلية تلاقي من العنت ما يتفق وغلظ الجاهلية وانحرافها . كانت تلقى هذا العنت طفلة توأد في بعض الأحيان ، أو تعيش في هون ومشقة وإذلال ! وكانت تلقاه زوجة هي قطعة من المتاع للرجل ، أغلى منها الناقة والفرس وأعز ! وكانت تلقاه مطلقة . تعضل فتمنع من الزواج حتى يسمح مطلقها ويأذن ! أو يعضلها أهلها دون العودة إلى مطلقها ، إن أرادا أن يتراجعا . . وكانت النظرة إليها بصفة عامة نظرة هابطة زرية ؛ شأنها في هذا شأن سائر الجاهليات السائدة في الأرض في ذلك الأوان .
ثم جاء الإسلام . . جاء ينسم على حياة المرأة هذه النسمات الرخية التي نرى هنا نماذج منها . وجاء يرفع النظرة إليها فيقرر أنها والرجل نفس واحدة من خلقة بارئها . . وجاء يرتفع بالعلاقات الزوجية إلى مرتبة العبادة عند الإحسان فيها . . هذا ولم تطلب المرأة شيئا من هذا ولا كانت تعرفه . ولم يطلب الرجل شيئا من هذا ولا كان يتصوره . إنما هي الكرامة التي أفاضها اللّه من رحمته للجنسين جميعا ، على الحياة الإنسانية جميعا . .
« وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ . وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا »
. .
والمقصود ببلوغ الأجل هنا هو قرب انتهاء العدة التي قررها في آية سابقة . فإذا قرب الأجل فإما رجعة على نية الإصلاح - والمعاملة بالمعروف - وهذا هو الإمساك بالمعروف . . وإما ترك الأجل يمضي فتبين الزوجة - وهذا هو التسريح بإحسان ، بدون إيذاء ولا طلب فدية من الزوجة وبدون عضل لها عن الزواج بمن تشاء . .
« وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا »
. .
وذلك كالذي روي عن الأنصاري الذي قال لامرأته : واللّه لا آويك ولا أفارقك ! فهذا هو الإمساك بغير إحسان . إمساك الضرار الذي لا ترضاه سماحة الإسلام . وهو الإمساك الذي تكرر النهي عنه في هذا السياق ؛ لأنه فيما يبدو كان شائعا في البيئة العربية : ويمكن أن يشيع في أية بيئة لم يهذبها الإسلام ، ولم يرفعها الإيمان . .
وهنا يستجيش القرآن أنبل المشاعر ؛ كما يستجيش عاطفة الحياء من اللّه ، وشعور الخوف منه في آن .
ويحشد هذه المؤثرات كلها ليخلص النفوس من أوضاع الجاهلية وآثارها ؛ ويرتفع بها إلى المستوي الكريم الذي يأخذ بيدها إليه :
« وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ . وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً . وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ . وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ »
. .
إن الذي يمسك المطلقة ضرارا واعتداء يظلم نفسه . فهي أخته . من نفسه . فإذا ظلمها فقد ظلم نفسه . وهو يظلم نفسه بإيرادها مورد المعصية ، والجموح بها عن طريق الطاعة . . وهذه هي اللمسة الأولى .
وآيات اللّه التي بينها في العشرة والطلاق واضحة مستقيمة جادة ، تقصد إلى تنظيم هذه الحياة وإقامتها على الجد والصدق ؛ فإذا هو استغلها في إلحاق الإضرار والأذى بالمرأة ، متلاعبا بالرخص التي جعلها اللّه متنفسا وصمام أمن ، واستخدم حق الرجعة الذي جعله اللّه فرصة لاستعادة الحياة الزوجية وإصلاحها ، في إمساك