عليها وكفرتها . . ويسمى هذا الاستسلام دخولا في السلم . فيفتح بهذه الكلمة بابا واسعا للتصور الحقيقي الكامل لحقيقة الإيمان بدين اللّه ، والسير على منهجه في الحياة ( كما سنفصل هذا عند مواجهة النص القرآني بإذن اللّه ) .
وفي مواجهة نعمة الإيمان الكبرى ، وحقيقة السلام التي تنشر ظلالها على الذين آمنوا . . يعرض سوء تصور الكفار لحقيقة الأمر ، وسخريتهم من الذين آمنوا بسبب ذلك التصور الضال . ويقرر إلى جانب ذلك حقيقة القيم في ميزان اللّه :
« وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ »
. .
يلي هذا تلخيص لقصة اختلاف الناس . وبيان للميزان الذي يجب أن يفيئوا إليه ليحكم بينهم فيما اختلفوا فيه . وتقرير لوظيفة الكتاب الذي أنزله اللّه بالحق ليحكم بين
« النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ »
. .
ويتطرق من هذا إلى ما ينتظر القائمين على هذا الميزان من مشاق الطريق ؛ ويخاطب الجماعة المسلمة فيكشف لها عما ينتظرها في طريقها الشائك من البأساء والضراء والجهد الذي لقيته كل جماعة نيطت بها هذه الأمانة من قبل . كي تعد نفسها لتكاليف الأمانة التي لا مفر منها ولا محيص عنها . وكي تقبل عليها راضية النفس ، مستقرة الضمير ؛ تتوقع نصر اللّه كلما غام الأفق ، وبدا أن الفجر بعيد ! وهكذا نرى أطرافا من المنهج الرباني في تربية الجماعة المسلمة وإعدادها ، تنحو أنحاء منوعة من الإيقاعات المؤثرة ، تتخلل التوجيهات والتشريعات التي يتألف من مجموعها ذلك المنهج الرباني الكامل للحياة البشرية .
204 -
« وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ، وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ ، وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ . وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ . وَإِذا قِيلَ لَهُ : اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ، فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ . . وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ ، وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ »
. .
هذه اللمسات العجيبة من الريشة المبدعة في رسم ملامح النفوس ، تشي بذاتها بأن مصدر هذا القول المعجز ليس مصدرا بشريا على الإطلاق . فاللمسات البشرية لا تستوعب - في لمسات سريعة كهذه - أعمق خصائص النماذج الإنسانية ، بهذا الوضوح ، وبهذا الشمول .
إن كل كلمة أشبه بخط من خطوط الريشة في رسم الملامح وتحديد السمات . . وسرعان ما ينتفض النموذج المرسوم كائنا حيا ، مميز الشخصية . حتى لتكاد تشير بإصبعك إليه ، وتفرزه من ملايين الأشخاص ، وتقول :
هذا هو الذي أراد إليه القرآن ! . . إنها عملية خلق أشبه بعملية الخلق التي تخرج كل لحظة من يد البارئ في عالم الأحياء ! هذا المخلوق الذي يتحدث ، فيصور لك نفسه خلاصة من الخير ، ومن الإخلاص ، ومن التجرد ، ومن الحب ، ومن الترفع ، ومن الرغبة في إفاضة الخير والبر والسعادة والطهارة على الناس . . هذا الذي يعجبك حديثه . تعجبك ذلاقة لسانه ، وتعجبك نبرة صوته ، ويعجبك حديثه عن الخير والبر والصلاح . .
« وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ »
. . زيادة في التأثير والإيحاء ، وتوكيدا للتجرد والإخلاص ، وإظهارا للتقوى وخشية اللّه . .
« وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ »
! تزدحم نفسه باللدد والخصومة ، فلا ظل فيها للود والسماحة ، ولا موضع فيها للحب والخير ، ولامكان فيها للتجمل والإيثار .
205 - هذا الذي يتناقض ظاهره وباطنه ، ويتنافر مظهره ومخبره . . هذا الذي يتقن الكذب والتمويه والدهان . .