تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
النَّارِ . أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا ، وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ »
. . ولقد سبق أنهم كانوا يأتون أسواق عكاظ ومجنة وذي المجاز . . وهذه الأسواق لم تكن أسواق بيع وشراء فحسب ؛ إنما كانت كذلك أسواق كلام ومفاخرات بالآباء ، ومعاظمات بالأنساب . . ذلك حين لم يكن للعرب من الاهتمامات الكبيرة ما يشغلهم عن هذه المفاخرات والمعاظمات ! لم تكن لهم رسالة إنسانية بعد ينفقون فيها طاقة القول وطاقة العمل . فرسالتهم الإنسانية الوحيدة هي التي ناطهم بها الإسلام . فأما قبل الإسلام وبدون الإسلام فلا رسالة لهم في الأرض ، ولا ذكر لهم في السماء . . ومن ثم كانوا ينفقون أيام عكاظ ومجنة وذي المجاز في تلك الاهتمامات الفارغة . في المفاخرة بالأنساب وفي التعاظم بالآباء . . فأما الآن وقد أصبحت لهم بالإسلام رسالة ضخمة ، وأنشأ لهم الإسلام تصورا جديدا ، بعد أن أنشأهم نشأة جديدة . . أما الآن فيوجههم القرآن لما هو خير ، يوجههم إلى ذكر اللّه بعد قضاء مناسك الحج ، بدلا من ذكر الآباء :
« فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً »
. . وقوله لهم :
« كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً »
. . لا يفيد أن يذكروا الآباء مع اللّه ، ولكنه يحمل طابع التنديد ، ويوحي بالتوجيه إلى الأجدر والأولى . . يقول لهم : إنكم تذكرون آباءكم حيث لا يجوز أن تذكروا إلا اللّه . فاستبدلوا هذا بذاك . بل كونوا أشد ذكرا للّه وأنتم خرجتم إليه متجردين من الثياب ، فتجردوا كذلك من الأنساب . . ويقول لهم : إن ذكر اللّه هو الذي يرفع العباد حقا ، وليس هو التفاخر بالآباء . فالميزان الجديد للقيم البشرية هو ميزان التقوى . ميزان الاتصال باللّه وذكره وتقواه . ثم يزن لهم بهذا الميزان ، ويريهم مقادير الناس ومآلاتهم بهذا الميزان :
« فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ : رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا ، وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ . . أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ »
. . إن هناك فريقين . فريقا همه الدنيا ، فهو حريص عليها ، مشغول بها . وقد كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف في الحج فيقولون : اللهم اجعله عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن ، لا يذكرون من أمر الآخرة شيئا . . وورد عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - أن الآية نزلت في هذا الفريق من الناس . . ولكن مدلول الآية أعم وأدوم . . فهذا نموذج من الناس مكرور في الأجيال والبقاع . النموذج الذي همه الدنيا وحدها . يذكرها حتى حين يتوجه إلى اللّه بالدعاء ؛ لأنها هي التي تشغله ، وتملأ فراغ نفسه ، وتحيط عالمه وتغلقه عليه . . هؤلاء قد يعطيهم اللّه نصيبهم في الدنيا - إذا قدر العطاء - ولا نصيب لهم في الآخرة على الإطلاق ! 201 - وفريقا أفسح أفقا ، وأكبر نفسا ، لأنه موصول باللّه ، يريد الحسنة في الدنيا ولكنه لا ينسى نصيبه في الآخرة فهو يقول :
« رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ »
. . إنهم يطلبون من اللّه الحسنة في الدارين . ولا يحددون نوع الحسنة - بل يدعون اختيارها للّه ، واللّه يختار لهم ما يراه حسنة وهم باختياره لهم راضون . . 202 - وهؤلاء لهم نصيب مضمون لا يبطئ عليهم . فاللّه سريع الحساب . إن هذا التعليم الإلهي يحدد : لمن يكون الاتجاه . ويقرر أنه من اتجه إلى اللّه وأسلم له أمره ، وترك للّه الخيرة ، ورضي بما يختاره له اللّه ، فلن تفوته حسنات الدنيا ولا حسنات الآخرة . ومن جعل همه الدنيا فقد خسر في الآخرة كل نصيب . والأول رابح حتى بالحساب الظاهر . وهو في ميزان اللّه أربح وأرجح . وقد تضمن دعاؤه خير الدارين في اعتدال ، وفي استقامة على التصور الهادئ المتزن الذي ينشئه الإسلام .
في ظلال القرآن — صفحة 201 | سيد قطب