تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
في ثنايا التوجيهات والتشريعات القرآنية - التي يتألف من مجموعها ذلك المنهج الرباني الكامل للحياة البشرية - يجد الناظر في هذه التوجيهات كذلك منهجا للتربية ، قائما على الخبرة المطلقة بالنفس الإنسانية ، ومساربها الظاهرة والخفية ؛ يأخذ هذه النفس من جميع أقطارها ، كما يتضمن رسم نماذج من نفوس البشر ، واضحة الخصائص جاهرة السمات ، حتى ليخيل للإنسان وهو يتصفح هذه الخصائص والسمات ، أنه يرى ذوات بعينها ، تدب في الأرض ، وتتحرك بين الناس ، ويكاد يضع يده عليها ، وهو يصيح : هذه هي بعينها التي عناها القرآن ! وفي هذا الدرس نجد الملامح الواضحة لنموذجين من نماذج البشر : الأول نموذج المرائي الشرير ، الذلق اللسان . الذي يجعل شخصه محور الحياة كلها . والذي يعجبك مظهره ويسوؤك مخبره . فإذا دعي إلى الصلاح وتقوى اللّه لم يرجع إلى الحق ؛ ولم يحاول إصلاح نفسه ؛ بل أخذته العزة بالإثم ، واستنكف أن يوجه إلى الحق والخير . . ومضى في طريقه يهلك الحرث والنسل ! والثاني نموذج المؤمن الصادق الذي يبذل نفسه كلها لمرضاة اللّه ، لا يستبقي منها بقية ، ولا يحسب لذاته حسابا في سعيه وعمله ، لأنه يفنى في اللّه ، ويتوجه بكليته إليه . وعقب عرض هذين النموذجين نسمع هتافا بالذين آمنوا ليستسلموا بكليتهم للّه ، دون ما تردد ، ودون ما تلفت ، ودون ما تجربة للّه بطلب الخوارق والمعجزات ، كالذي فعلته بنو إسرائيل حين بدلت نعمه اللّه
في ظلال القرآن — صفحة 203 | سيد قطب