تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
وأقسم بهذه المخلوقات ، للإشارة إلى تعظيم أمر الضوء وإعظام أمر النعمة فيه ، وفيه لفت لأذهاننا إلى أنه آية من آيات ربنا الكبرى ، ونعمة من نعمه العظمى . وفي قوله : جلاها بيان للحال التي يكشف فيها النهار تلك الحكمة البالغة ، والآية الباهرة . وبعد أن أقسم بالضياء في أطوار مختلفة أقسم بالليل في حال واحدة فقال :
( وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها )
أي والليل إذا يغشى الشمس فيزيل ضوءها في الليالي الحالكة التي لا أثر لضوء الشمس فيها ، لا مباشرة كما في النهار ، ولا بالواسطة كضوء القمر المستفاد منها ، وهي قليلة فإنها ليلة أو ليلتان أو بعض ليال في الشهر . وفي هذا إيماء إلى أن الليل يطرأ على هذا الكواكب العظيم فيذهب ضوؤه ، ويحيل نور العالم ظلاما فهو على جليل نفعه وعظيم فائدته ، لا يتخذ إلها لأن الإله لا يحول ولا يزول ، ولا يعتريه تغير ولا أفول . وفيه ردع وتأنيب للمشركين على تأليهه وعبادته . وبعد أن ذكر الأوصاف الدالة على عظمة هذه الأجرام - أردفه ذكر صفات تدل على حدوثها فقال :
( وَالسَّماءِ وَما بَناها )
أي والسماء ومن قدّرها على النحو الذي اقتضته مشيئته وحكمته . وفي ذكر البنيان إشارة إلى ما انطوى عليه رفعها وتسويتها من بارع الحكمة وتمام القدرة ، وأن لها صانعا حكيما قد أحكم وضعها وأجاد تقديرها ، فإنه شد هذه الكواكب بعضها إلى بعض برباط الجاذبية العامة كما تربط أجزاء البناء الواحد بما يوضع بينها حتى يتماسك . ولما كان الخطاب موجها إلى قوم لا يعرفون اللّه بجليل صفاته ، وكان القصد منه أن ينظروا في هذا الكون نظرة من يطلب للأثر مؤثرا ، فينتقلوا من ذلك إلى معرفته تعالى - عبر عن نفسه بلفظ
( ما )
التي هي الغاية في الإبهام .