( 8 )
( وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ )
أي وأنا كنا نقعد قبل ذلك فيها مقاعد خالية من الحرس والشهب ، لنسترق السمع ، فطردنا منها حتى لا نسترق شيئا من القرآن ونلقيه على ألسنة الكهان ، فيلتبس الأمر ولا يدرى الصادق ، فكان ذلك من لطف اللّه بخلقه ، ورحمته بعباده ، وحفظه لكتابه العزيز .
( فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً )
أي فمن يرم أن يسترق السمع اليوم يجد له شهابا مرصدا لا يتخطاه ولا يتعداه ، بل يهلكه ويمحقه .
وإنا لنؤمن بما جاء في الكتاب الكريم من أن الجن كانوا يسترقون السمع ، ومنعوا من ذلك بعد بعثة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولكن لا نعرف كيف كانوا يسترقون السمع ، ولا نعرف كنه الحرس الذين منعوهم ، ولا المراد بالشهب التي كانت رصدا لهم ؛ والجن أجسام نارية فكيف تحترق من الشهب .
ويرى قوم أن مقاعد السمع هي مواضع الشبه التي يوسوس بها الجن في صدور الناس ، ليصدوهم عن اتباع الحق ، والحرس : هي الأدلة العقلية التي نصبها سبحانه لهداية عباده ، والشهب الأدلة الكونية التي وضعها في الأنفس والآفاق .
وعلى هذا يكون المعنى : إن القرآن الكريم بما نصب من الأدلة العقلية والأدلة الكونية حرس للدين من تطرق الشبه التي كان الشياطين يوسوسون بها في صدور الزائفين ، ويحوكونها في قلوب الضالين ، ليمنعوهم من تقبل الدين والاهتداء بهديه ، فمن يكفر في إلقاء الشكوك والأوهام في نفوس الناس بعدئذ يجد البراهين التي تقتلعها من جذورها .
( 9 )
( وَأَنَّا لا نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً )
أي وإن السماء لم تحرس إلا لأحد أمرين :
( ا ) إما لعذاب يريد اللّه أن ينزله على أهل الأرض بغتة .
( ب ) وإما لنبيّ مرشد مصلح .