تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
ملكه في مسيرة ألف عام يرى أقصاه كما يرى أدناه ، وقيل هو استئذان الملائكة عليهم ، فلا يدخلون إلا بإذنهم ، وقيل هو الملك الدائم الذي لا زوال له . ولم يجئ في الأخبار الصحيحة ما يفسر هذا الملك الكبير ، فأولى بنا أن نؤمن به ونترك تفصيله إلى علام الغيوب . وبعد أن وصف شرابهم وآنيته وما هم فيه من النعيم ، وصف ملابسهم فقال :
( عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ )
أي إن لباس أهل الجنة في الجنة الحرير ، ومنه سندس ، وهو رفيع الديباج القميصان والغلائل ونحوها مما يلي أبدانهم ، وإستبرق : وهو غليظ الديباج لا معه مما يلي الظاهر كما هو المعهود في لباس الدنيا . وبعدئذ ذكر حليّهم فقال :
( وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ )
أي وقد حلوا أساور من فضة ، وجاء هنا
« مِنْ فِضَّةٍ »
وفي سورة فاطر
« يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ »
لأنهم قد يجمعون بينهما ، أو يلبسون الذهب تارة والفضة أخرى . وقال سعيد بن المسيّب : لا أحد من أهل الجنة إلا وفي يده ثلاثة أسورة ؛ واحدة من ذهب ، وأخرى من فضة ، وثالثة من لؤلؤ . والتحلّي مما يختلف باختلاف العادات والطبائع ، ونشأة الآخرة غير هذه النشأة ، ومن المشاهد في الدنيا أن بعض الملوك يتحلّون بأعضادهم وعلى تيجانهم وعلى صدورهم ببعض أنواع الحلي ، ولا يرون في ذلك بأسا لمكان الإلف والعادة ؛ فلا يبعد أن يكون من طباع أهل الجنة في الجنة حبّ التحلي دائما . ثم ذكر أنهم يسقون شرابا آخر يفوق النوعين السابقين ، وهما ما يمزج بالكافور وما يمزج بالزنجبيل فقال :
( وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً )
أي وسقاهم ربهم غير ما سلف شرابا يطهّر شاربه من الميل إلى اللذات الحسية ، والركون إلى ما سوى الحق ، فيتجرد لمطالعة جماله ، والتلذذ بلقائه ، وهذا منتهى درجات الصديقين .