أيها البشر لا تلين قلوبكم ، ولا تخشع وتتصدع من خشيته ؟ وقد فهمتم عن اللّه أمره ، وتدبرتم كتابه .
وبعد أن وصف القرآن بالعظم أتبعه بوصف عظمة المنزّل للقرآن ذي الأسماء الحسنى الذي يخضع له ما في السماوات والأرض وينقادون لحكمه ، وأمره ونهيه .
الإيضاح
( لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ )
أي لو جعل في الجبل عقل كما جعل فيكم أيها البشر ، ثم أنزل عليه القرآن لخشع وخضع وتشقق من خشية اللّه .
وهذا تمثيل لعلوّ شأن القرآن وقوة تأثير ما فيه من المواعظ والزواجر ، وفيه توبيخ للانسان على قسوة قلبه وقلة تخشعه حين قراءة القرآن وتدبر ما فيه من القوارع التي تذل لها الجبال الراسيات .
( وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ )
أي وهذه الأمثال التي أودعناها القرآن وذكرناها في مواضعها التي ضربت لأجلها ، واقتضاها الحال من نحو قوله :
« وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ ، وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ ، وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ »
وقوله :
« ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً »
وقوله :
« وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى »
الآية - جعلناها تبصرة وذكري لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ؛ فمن الناس من وفقه اللّه واهتدى بها إلى سواء السبيل ، وفاز بما يرضى ربه عنه ، ومنهم من أعرض عنها ونأى ، فأخذه اللّه نكال الآخرة والأولى ، وأدخله في سقر ، وما أدراك ما سقر ، لا تبقى ولا تذر .