ثم أخبر سبحانه عن عدله وأنه لا يهلك أحدا إلا بعد الإنذار وقيام الحجة بإرسال الرسل فقال :
( وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا )
أي وما كانت سنته في عباده أن يهلك القرى حتى يبعث في كبراها رسولا يتلو عليهم الآيات الناطقة بالحق ، ويدعوهم إليه بالترغيب حينا ، والترهيب حينا آخر ، فيكون ذلك أدعى إلى إلزام الحجة وقطع المعذرة .
وإنما كان البعث في أم القرى ، لأن في أهلها فطنة وكياسة ، فهم أقبل للدعوة ، وأعرف بمواقع الحق ؛ إلى أن الرسول يبعث للأشراف كما يرسل إلى العامة ، وهم يسكنون المدائن وهي أمّ ما حولها .
ونحو الآية قوله :
« وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا »
.
ثم بين أنه لا يهلك القرى بعد إرسال الرسل إلا إذا ظلموا أنفسهم وكذبوا رسلهم فقال :
( وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ )
أي ولا نهلك القرى التي نبعث فيها الرسل الذين يدعونهم إلى الحق ، ويرشدونهم إلى سبيل السّداد إلا إذا ظلموا بتكذيب الرسول وكفروا بالآيات ، فلا نهلك قرية بإيمان ، ولكن نهلكها بظلمها واجترامها المعاصي وارتكابها الآثام ، وقوله : بظلم إشارة إلى أنه لو أهلكهم وهم مصلحون لكان ذلك ظلما منه ، تعالى ربنا عن ذلك علوا كبيرا
[ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 60 إلى 61 ]
وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 60 ) أَ فَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ( 61 )