( وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ )
أي وهو أعلم بالمستعدّين للهداية فيمنحونها ، ومنهم الذين ذكرت أوصافهم من أهل الكتاب ، دون من هم من أهل الغواية كقومك وعشيرتك .
ثم أخبر سبحانه عن اعتذار بعض الكفار في عدم اتباعهم للهدى فقال :
( وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا )
أي وقالوا : نخشى إن اتبعنا ما جئت به من الهدى ، وخالفنا من حولنا من أحياء العرب المشركين أن يقصدونا بالأذى ، ويحاربونا ويجلونا من ديارنا .
فرد اللّه عليهم مقالتهم وأبان لهم ضعف شبهتهم فقال :
( أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا ؟ )
أي إن ما اعتذرتم به لا يصلح أن يكون عذرا ، لأنا جعلناكم في بلد أمين ، وحرم معظّم منذ وجد ، فكيف يكون هذا الحرم آمنا لكم حال كفركم وشرككم ولا يكون أمنا لكم وقد أسلمتم واتبعتم الحق ؟ قال يحيى بن سلام : يقول : كنتم آمنين في حرمي ، تأكلون رزقي ، وتعبدون غيرى ، أفتخافون إذ عبدتمونى وآمنتم بي ؟ وقد تفضل عليكم ربكم وأطعمكم من كل الثمرات التي تجلب من فجاج الأرض والمتاجر والأمتعة من كل بلد ، رزقا منه لكم .
( وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ )
أي ولكن أكثرهم جهلة لا يفطنون إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم ومن ثم قالوا ما قالوا ، وقد كان من حقهم أن يعلموا أن تلك الأرزاق إنما وصلت إليهم من ربهم ، فهو الذي يخشى ويتّقى ، لا سواه من المخلوقين .
[ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 58 إلى 59 ]
وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ ( 58 ) وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاَّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ ( 59 )